31 مايو 2016

ماذا يحدث في أروقة القطاع الخاص

تحدث الهزات الأرضية بدرجات متفاوتة، ولكننا لا نشعر بوجودها إلا إذا وصلت لدرجات معينة، وقد تتجاوز في بعض الأحيان حدود الشعور بها فقط إلى التضرر بها بمستويات قد تصل إلى الدمار لا قدر الله. بهذا التصور العقلاني (وليس المتشائم كما سيراه البعض) يمكن أن نخوض فيما يحدث اليوم داخل أروقة القطاع الخاص، الذي بدأت تظهر عليه علامات الإعياء والتعب، نتيجة تباطء سرعة عجلة التنمية خصوصاً في قطاع البناء والتشييد، سواء بسبب تقنين دور القطاع الحكومي من خلال توقف العديد من المشاريع، أو من خلال ركود حركة البناء للمشاريع السكنية، والتي تأثرت بالأسواق المشكلة والمؤثرة على القطاع مثل ارتفاع سوق العقارات ومواد البناء وتكاليف الأيدي العاملة. فما يمر به اليوم هذا القطاع والذي يعد الأكبر بين القطاعات الأخرى، يعداً منعطفاً قوياً قد يعصف بالكثير ممن ينتسبون إليه، سواء كانوا شركات ومؤسسات أو حتى أفراد.
قد لا تشعر بذلك لو كنت خارج القطاع، ولكن يعي ذلك من هم فيه، فالعديد من الشركات والمؤسسات اليوم قاب قوسين أو أدنى من الإنهيار، وأقصد بالإنهيار الخروج من السوق بديون ثقيله ومطالبات عديدة قد يدخل معها اصحاب الأعمال والشركات إلى أروقة المحاكم ودهاليز المحامين، حيث تبدوا موجة التصحيح التي تتبناها الحكومة ضمن مجموعة من القرارات والرؤيا العامة أعلى بكثير من إمكانيات المؤسسات والشركات التي تشبه زوارق صغيرة في عالم الأعمال، وهو ما أدى إلى كشف الكثير مما دار ويدور في هذا القطاع، إبتداء بالهياكل الإدارية المبالغ فيها، وانتهاء بوظائف السعودة الوهمية وشروطها. حيث أصبح لا مجال للتخفي والتستر.
كنت من المعارضين سابقاً إلى الترويج للقطاع الخاص على أنه قطاع قوي وآمن، وسبب إعتراضي كان قائماً ولا يزال على أن أغلب مؤسسات القطاع الخاص لم يتم تأسيسها ضمن إطار متقن ووفق منهجية واضحة تتسم بالاحترافية المطلوبة، فالكثير منها كان لا يتجاوز حدود (الفكرة) والتي تحولت بفعل العصا السحرية للطفرة آنذاك إلى مشروع على أرض الواقع. هذا التحول السريع والغير مدروس، شكل خلال السنوات الماضية أرقام ليست حقيقية، تم الترويج لها بأن القطاع يشهد تنمية مستدامة وبعبارات حملت في ظاهرها كلمات رنانة، كإقتصاد المعرفة، الأسواق الحرة والتطوير العمراني، بينما كان باطنها خاوياً من أساسيات هذه الإتجاهات التي لم تثبت نجاحتها حتى على المستوى العالمي، بالشكل المتوقع أو المستهدف. ليس ذلك وحسب، بل أن بعض الجهات الحكومية المعنية، كوزارة العمل والتجارة، إنساقت بدون قصد أو معرفة إن صح القول وراء ذلك السراب، فراحت تفرض العديد من الأنظمة في ذلك الوقت، التى أصبح اليوم من الصعب الوفاء بها للكثير ممن اصبحت أرجلهم في النار.
الفترة القادمة ستكون عصيبة بلا شك، إلا أنها مع ذلك تعد ضرورية، فعملية التصحيح للأسواق معروفة لمن يعرف الأسواق، وليس معنى ذلك أن تقف مكتوفي اليدين، فهذه الفترة مهمة لتصحيح ما يجب تصحيحه داخل شركتك أو مؤسستك أو حتى عملك الريادي. وهو ما يتطلب قبل المرونة، أن تعيد حساباتك وهيكلتك وفق أسس صحيحة، بدون مبالغات في الأسعار أو تدني في جودة الأعمال والخدمات. فالبقاء اليوم ليس للأقوى وحسب بل للأفضل، وهو أيضاً مقروناً بعميل بات قادراً على التمييز بين ما هو ضروري وما يمكن تأجيله. حظاً موفقاً.