كثيراً ما نسمع أو نقرأ عن (الهوية) أو (Identity) للشركات والمؤسسات، وحتى للأفراد والمجتمعات والمدن والأمصار،
وعلى الرغم من انتشار هذا المصطلح ، إلا أن الغالبية منا تحمل مفهوماً غير مكتمل
عن هذا المصطلح، خصوصا في السياق المهني، سواء على المستوى الفردي أو المؤسسي،
فماذا نعني بالهوية وما هي أهميتها في مسارتنا المهنية؟
قد يكون أبسط تعريف للهوية، أنها (الصورة) التي يود الفرد
أو الشركة أو المؤسسة أن تعكسها للجمهور، بأقل وأدق وصف وتعبير ممكن للمهمة
الأساسية التي تقوم بها، سواء كان ذلك من خلال التفاعل العملي كطريقة واسلوب العمل
وتقديم الخدمات، أو من خلال التفاعل البصري مع الشعارات أو الأماكن أو المنتجات،
أو كلاهما.. ولذلك فهي ليست عامل واحد، بل مجموعة من العوامل المتداخلة التي تساهم
في إيجاد (هوية) مميزة لجهة معينة في مجال محدد.
عادة ما تغيب الهوية أو لا تظهر بوضوح عندما تفشل احد هذه
العوامل أو تغيب عن المشهد العام، عندها نصدر أحكامنا بعدم وجود هوية واضحة لهذه
المؤسسة أو تلك، وهو ما يدفعنا في كثير من الأحيان إلى تكوين مواقف سلبية لهذه
المؤسسات أو الشركات، أو عدم الثقة بها، وهو ما يعني في عالم الأعمال خسارة العميل
على المدى الطويل. ولا يقف الأمر عند العمل المؤسسي وحسب بالنسبة للهوية، فحتى
الأفراد يعكسون هويتهم في المسار المهني بنفس الألية، مع تغيير طفيف في بعض
العوامل، فعندما نتعامل مع فني أو حرفي أو مهني على سبيل المثال.. يلتزم بالزي
المهني، ويحمل ادواته اللازمة ويتبع إجراءات العمل بطريقة منهجية لفحص وتنفيذ
الأعمال، فإن ذلك يعكس لنا احترافية واضحة، سرعان ما تصبح (هوية) بالنسبة له، بعكس
النموذج الآخر الذي قد لا يلتزم ببعض هذه العوامل، على الرغم من إداءه أو قدرته على
تنفيذ العمل، إلا أنه يظهر بصوره غير مكتملة تفقده (الهوية) للمهنة نفسها. ولذلك
فنحن عادة ما نعبر عن هذه المهن برسومات توضح الأشخاص في زيهم المهني وفي أماكن
عملهم ومع أدواتهم لعكس صورة نمطية عنهم بأقل وصف ممكن.
للأسف يغيب عن كثير من رواد الأعمال والمهنيين على حد
سواء هذا الجانب المهم في مسارهم المهني، والسبب يعود إلى عدم الوعي بأهمية بناء
الهوية بالشكل الصحيح، خصوصاً أثناء مرحلة التأسيس للعمل التجاري أو المهني في
البداية، إضافة إلى أنها تتطلب الكثير من الجهد والتعب، وقد تستوجب بعض التكاليف
الإضافية، فأغلب الأفكار والمشاريع تنصب وتركز على جوانب أخرى، كالتنافس وتحقيق
الأرباح وطريقة العمل وأحياناً بساطة الفكرة وسهولة الربح، لكنها تفشل في بناء
هوية مع العميل على المدى الطويل، ولذلك تجد أن كثير من المشاريع تفشل بعد نجاح
يستمر لفترة قصيرة، والسبب هو عدم وجود هوية واضحة.
تكمن أهمية (الهوية) اليوم في أنها أحد عوامل الاستمرار
في العالم المفتوح والمتعدد الخيارات، فلو كنت صاحب مشروع ريادي في مجال ما،
فسرعان ما سيتكون العديد من المنافسين، الذين سيقدمون نفس الخدمات التي تقدمها،
وقد يكون بنفس الأسلوب أو الطريقة، وقد يلجئون للحيلة القديمة في تخفيض الأسعار
للحصول على العميل. في مثل هذه الظروف التنافسية، بناء الهوية يعد من أهم الطرق للاستمرار
في عملك التجاري، ولا يختلف الأمر مهنياً، فلست الطبيب أو المهندس أو المحامي
الوحيد في البلد، فهناك الكثير الذي يقدمون ما تقدم، لكن بناءك لهوية مهنية واضحة
ومميزة، سيجعل لك مسار يختلف عن الآخرين وسيصعب عليهم تقليده أو نسخه، فميزة
الهوية هي أنه يصعب استنساخها أو تقليدها، وهذا ما يجعلها مهمة.
سواء كنت صاحب عمل أو تمارس مهنتك، حاول أن تفكر في صياغة
(هوية) خاصة بك، ركز أكثر على التفاصيل الصغيرة التي لا يمكن لأحدهم أن يستنسخها،
قد يكون في طريقة تقديمك أو تغليفك، أو سياساتك أو خدماتك الإضافية، يمكن ان يكون
تقني أو معنوي، ميزة تجعل العميل يلمس إهتمامك بما تقدمه، لن تنجح من أول مره، فالموضوع صعب، لكنه ممكن مع
الوقت والمحاولة المستمرة، وعندما تصل إلى هويتك المهنية، ستجد نفسك قد تميزت في
عالم يتشابه فيه الأخرون.. كل التوفيق.
