أثناء
قراءتي لكتاب (لياقات الكاتب) للمؤلفة (دورثي براندي)، طلبت المؤلفة وكنوع من
التدريب، ممارسة الكتابة بشكل يومي في بداية كل صباح، حاولت المؤلفة أن تشير إلى
أن هذا (الروتين) ضروري ولازم لإكمال الكتاب والإستفادة منه. وعلى الرغم من أن
المؤلفة اوضحت عدم أهمية موضوع الكتابة، حيث يمكنك كتابة ما يدور في ذهنك أي كان
في تلك اللحظة، إلا أنها أصرت وبشكل غريب على ضرورة هذا التمرين ضمن سطور ذلك
الفصل. بداية لم أكن متقبلاً هذا النوع من التوجية من قبل المؤلفة، وقررت أن أضع
الكتاب جانباً، لأبدأ قراءة كتاب آخر، إلا أنني ولوهلة عدلت عن هذا القرار، وبدأت
بتطبيق التمرين بشكل يومي ولمدة تجاوزت الثلاثة أسابيع. في البداية كان الوضع
صعباً جداً، والروتين متعب ومنهك وممل، خصوصاً أنك لا تعلم ما الفائدة من وراء هذا
التكرار العجيب وفي هذا الوقت الباكر من اليوم. إلا أنني أكملت هذا الروتين بشكل
يومي، في الأيام الثلاثة الأولى، لم تتجاوز سطوري الخمسة سطور، ولم يكن هناك في
ذهني مواضيع محددة، ومع الوقت بدأت السطور في زيادة، وأصبحت المواضيع حاضرة حتى
قبل الكتابة. ثم وصلت لمرحلة كنت أسجل ملاحظاتي لموضوع الغد وبعد غد، وبانتهاء
الثلاثة أسابيع، كنت أنجز ما يقارب الأربع صفحات خلال مدة لا تتجاوز نصف ساعة
صباحية.
عدت
للمؤلفة وللكتاب مرة أخرى، لأجد الفصل التالي يشرح أنني الآن أملك لياقة عالية في
الكتابة، وأن ما كتبته في الثلاث أسابيع الماضية، يمكن من خلاله أن أحدد أسلوبي
ومجالي. والحقيقة أني كنت فعلياً بلياقة عالية في الكتابة، لدرجة أنه بإمكاني الكتابة
بشكل متواصل عن أي موضوع، ما دمت أعرف مسبقاً خطوطه العريضه. طبعاً لا ينتهي
الكتاب عند هذا الحد، ولكن ما دفعني لكتابة هذه التدوينة، هو شعور الخوف من
(الروتين) في الجانب المهني، والذي يسيطر على كثير منا، فمعظمنا يخشى الوقوع في داومة (الروتين)، كونه
يرتبط بمصطلحات جامدة، كالرتابة وعدم الإبداع .. الخ. وهو ما أوجد إطار سلبي
لمفهوم (الروتين) ضمن مفهومنا للعمل أو حتى لجوانب الحياة أحياناً. إلا أن هذه
النظرة تعد قاصرة تجاه (الروتين)، والذي يمثل بالمناسبة جانب مهم من عملية الإنتاج
العملي أو المهني. لعل السؤال المطروح هنا .. كيف يمكن لنا أن نستفيد من (الروتين)
عملياً؟
في
البداية نحتاج إلى أن ندرك بأن (الروتين) يعد أحد أهم وسائل الإنتاج العملي. ويمكن
شرح هذه الفكرة من خلال بعض الأمثلة الواقعية في حياتنا، فمثلاً نحن نطلق على
ممارسة عمل جديد أو تعلم مهارة جدية بكلمة (التدريب) والتي تعني تكرار العمل إلى
حد التمكن أو الإتقان. أو نمارس الرياضة بشكل روتيني، للحصول على اللياقة والرشاقة
المنشودة، أو قد يكون ذلك أيضا في الكتابة كما حصل معي، واي كان المجال، فأن
الروتين يصبح جزء مهم من عملية الإنتاج، وأحياناً من عملية التطوير للمهارات أو
المواهب. بل ويتخطى ذلك في مجال كمجال الهندسة مثلاً.
ففي
مجال الهندسة، يشكل الروتين جزء كبير من عمل المهندس اليومي، فمهندس الموقع، يقوم
بزيارات يومية للموقع وبشكل متكرر، لمتابعة الأعمال وفحصها، والتأكد من عدم وجود
أخطاء، حتى لو كان هناك خطط معدة مسبقاً، فالروتين هنا يأتي على شكل (تدقيق
ومتابعة)، أيضاً الأمر في مجال التشغيل والصيانة، وعمليات الفحص الدورية، والتي
يمكن إعتبارها أيضاً (روتين) يمارسه المهندس للتأكد من سلامة المعدات أو الأجهزة
وعملها وفق الكفاءة المطلوبة.
قد
تتفق معي الآن أن (الروتين) ليس سيئاً بهذه الدرجة، أو أنه عقبة تمنع الشخص من
تحقيق الإنتاجية المطلوبة، خصوصاً إذا تعاملت معه بذكاء وتجنبت الوقوع في فخ
التقادم. هذا الذكاء، يعتمد بالدرجة الأولى على التحكم بالروتين لتحقيق بعض
الأهداف المسبقة، ولكي نوضح ذلك أكثر، إليك بعض الأفكار التي قد تساعدك على توظيف
الروتين لتحقيق إنتاجية أفضل.
1- تأكد من وجود هدف للعمل المتكرر الذي تقوم
به، فبدون هدف قد يصبح أداء العمل فقط هو الهدف نفسه، وهو ما قد يسبب لك الملل،
والجمود أحياناً نحو تطويره.
2- لابد أن يكون العمل محدد بمدة زمنية، في
المستوى العام، تاريخ بداية وتاريخ نهاية مرتبطة بهدف، بالإضافة إلى وقت زمني محدد
من اليوم، فلا يمكن أن يكون هذا العمل متاح طوال اليوم.
3- يجب تحديد مستويات إنجاز، بمعنى أن كل فترة
زمنية لابد أن يكون هناك إنجاز محدد مسبقاً وضمن المدة الزمنية.
4- لا تخطط أن يكون الروتين الخاص بك في اليوم،
أقل من إمكانيتك، سيشعرك ذلك بالممل، دائماً اجعل الروتين أكبر من قدراتك، حتى لا يصبح
سهلاً ممارسته.
5-
أخيراً،
تذكر أن الروتين ليس (إبداع) هو ممارسة عمل محدد لمدة معينة لتحقيق هدف معين،
ولذلك هو متغير دائماً بحسب الأهداف والإمكانيات. فلا تلقي اللوم على الروتين ولكن
راجع أهدافك بعقلانية.

