31 أكتوبر 2016

لياقتك المهنية والروتين


أثناء قراءتي لكتاب (لياقات الكاتب) للمؤلفة (دورثي براندي)، طلبت المؤلفة وكنوع من التدريب، ممارسة الكتابة بشكل يومي في بداية كل صباح، حاولت المؤلفة أن تشير إلى أن هذا (الروتين) ضروري ولازم لإكمال الكتاب والإستفادة منه. وعلى الرغم من أن المؤلفة اوضحت عدم أهمية موضوع الكتابة، حيث يمكنك كتابة ما يدور في ذهنك أي كان في تلك اللحظة، إلا أنها أصرت وبشكل غريب على ضرورة هذا التمرين ضمن سطور ذلك الفصل. بداية لم أكن متقبلاً هذا النوع من التوجية من قبل المؤلفة، وقررت أن أضع الكتاب جانباً، لأبدأ قراءة كتاب آخر، إلا أنني ولوهلة عدلت عن هذا القرار، وبدأت بتطبيق التمرين بشكل يومي ولمدة تجاوزت الثلاثة أسابيع. في البداية كان الوضع صعباً جداً، والروتين متعب ومنهك وممل، خصوصاً أنك لا تعلم ما الفائدة من وراء هذا التكرار العجيب وفي هذا الوقت الباكر من اليوم. إلا أنني أكملت هذا الروتين بشكل يومي، في الأيام الثلاثة الأولى، لم تتجاوز سطوري الخمسة سطور، ولم يكن هناك في ذهني مواضيع محددة، ومع الوقت بدأت السطور في زيادة، وأصبحت المواضيع حاضرة حتى قبل الكتابة. ثم وصلت لمرحلة كنت أسجل ملاحظاتي لموضوع الغد وبعد غد، وبانتهاء الثلاثة أسابيع، كنت أنجز ما يقارب الأربع صفحات خلال مدة لا تتجاوز نصف ساعة صباحية.
عدت للمؤلفة وللكتاب مرة أخرى، لأجد الفصل التالي يشرح أنني الآن أملك لياقة عالية في الكتابة، وأن ما كتبته في الثلاث أسابيع الماضية، يمكن من خلاله أن أحدد أسلوبي ومجالي. والحقيقة أني كنت فعلياً بلياقة عالية في الكتابة، لدرجة أنه بإمكاني الكتابة بشكل متواصل عن أي موضوع، ما دمت أعرف مسبقاً خطوطه العريضه. طبعاً لا ينتهي الكتاب عند هذا الحد، ولكن ما دفعني لكتابة هذه التدوينة، هو شعور الخوف من (الروتين) في الجانب المهني، والذي يسيطر على كثير منا،  فمعظمنا يخشى الوقوع في داومة (الروتين)، كونه يرتبط بمصطلحات جامدة، كالرتابة وعدم الإبداع .. الخ. وهو ما أوجد إطار سلبي لمفهوم (الروتين) ضمن مفهومنا للعمل أو حتى لجوانب الحياة أحياناً. إلا أن هذه النظرة تعد قاصرة تجاه (الروتين)، والذي يمثل بالمناسبة جانب مهم من عملية الإنتاج العملي أو المهني. لعل السؤال المطروح هنا .. كيف يمكن لنا أن نستفيد من (الروتين) عملياً؟
في البداية نحتاج إلى أن ندرك بأن (الروتين) يعد أحد أهم وسائل الإنتاج العملي. ويمكن شرح هذه الفكرة من خلال بعض الأمثلة الواقعية في حياتنا، فمثلاً نحن نطلق على ممارسة عمل جديد أو تعلم مهارة جدية بكلمة (التدريب) والتي تعني تكرار العمل إلى حد التمكن أو الإتقان. أو نمارس الرياضة بشكل روتيني، للحصول على اللياقة والرشاقة المنشودة، أو قد يكون ذلك أيضا في الكتابة كما حصل معي، واي كان المجال، فأن الروتين يصبح جزء مهم من عملية الإنتاج، وأحياناً من عملية التطوير للمهارات أو المواهب. بل ويتخطى ذلك في مجال كمجال الهندسة مثلاً.
ففي مجال الهندسة، يشكل الروتين جزء كبير من عمل المهندس اليومي، فمهندس الموقع، يقوم بزيارات يومية للموقع وبشكل متكرر، لمتابعة الأعمال وفحصها، والتأكد من عدم وجود أخطاء، حتى لو كان هناك خطط معدة مسبقاً، فالروتين هنا يأتي على شكل (تدقيق ومتابعة)، أيضاً الأمر في مجال التشغيل والصيانة، وعمليات الفحص الدورية، والتي يمكن إعتبارها أيضاً (روتين) يمارسه المهندس للتأكد من سلامة المعدات أو الأجهزة وعملها وفق الكفاءة المطلوبة.
قد تتفق معي الآن أن (الروتين) ليس سيئاً بهذه الدرجة، أو أنه عقبة تمنع الشخص من تحقيق الإنتاجية المطلوبة، خصوصاً إذا تعاملت معه بذكاء وتجنبت الوقوع في فخ التقادم. هذا الذكاء، يعتمد بالدرجة الأولى على التحكم بالروتين لتحقيق بعض الأهداف المسبقة، ولكي نوضح ذلك أكثر، إليك بعض الأفكار التي قد تساعدك على توظيف الروتين لتحقيق إنتاجية أفضل.
1-      تأكد من وجود هدف للعمل المتكرر الذي تقوم به، فبدون هدف قد يصبح أداء العمل فقط هو الهدف نفسه، وهو ما قد يسبب لك الملل، والجمود أحياناً نحو تطويره.
2-      لابد أن يكون العمل محدد بمدة زمنية، في المستوى العام، تاريخ بداية وتاريخ نهاية مرتبطة بهدف، بالإضافة إلى وقت زمني محدد من اليوم، فلا يمكن أن يكون هذا العمل متاح طوال اليوم.
3-      يجب تحديد مستويات إنجاز، بمعنى أن كل فترة زمنية لابد أن يكون هناك إنجاز محدد مسبقاً وضمن المدة الزمنية.
4-      لا تخطط أن يكون الروتين الخاص بك في اليوم، أقل من إمكانيتك، سيشعرك ذلك بالممل، دائماً اجعل الروتين أكبر من قدراتك، حتى لا يصبح سهلاً ممارسته.
5-      أخيراً، تذكر أن الروتين ليس (إبداع) هو ممارسة عمل محدد لمدة معينة لتحقيق هدف معين، ولذلك هو متغير دائماً بحسب الأهداف والإمكانيات. فلا تلقي اللوم على الروتين ولكن راجع أهدافك بعقلانية.

3 أكتوبر 2016

المهندس والمرحلة القادمة

كلنا تابعنا خلال الأيام القليلة الماضية، الأوامر والقرارات التنظيمية التي صدرت لموظفي الدولة، وكلنا أيضا يشعر ببطء عجلة المشاريع المحلية وحتى الخاصة منذ فترة، لأسباب مختلفة وعديدة وواضحة، كسياسة التقشف للدولة في المشاريع، أو بسبب توقف حركة البناء الخاص لإرتفاع اسعار الأراضي وتكاليف البناء على حد سواء، خصوصا أننا في بداية عملية التصحيح الإقتصادي الذي تقوم به الدولة خلال الخمسة عشر سنة القادمة.
هذه التدوينة، تناقش واقع ومستقبل (المهندس السعودي) في المرحلة القادمة بشيء من الهدوء والواقعية، بعيداً عن تصنيفات الإيجابية والسلبية والتفاؤل وكوب الماء!. كلنا يعلم أن نشاط المهندس السعودي ينحصر ضمن ثلاث مسارات أساسية، إما (موظف لدى الدولة) أو (موظف لدى القطاع الخاص) أو (صاحب عمل في القطاع الخاص)، ولكل مسار خصوصياته وتفاصيله وواقعه، الذي قد يختلف بشكل متعارض بين مسار وآخر. ولكي نستوعب هذه المسارات سوف نتناول كل مسار على حدة ضمن المرحلة القادمة.
المهندس الحكومي: لم يتأثر كثير من المهندسين فيما يتعلق بقرارات الإلغاء لبعض البنود أو البدلات بشكل عام، مع إستثناء البعض والذي قد حصل عليها بشكل فردي آو إستثنائي، ما عدا ذلك فأغلب مهندسي الدولة لا يتمتعون ببدلات إضافية، ولم يقر الكادر الهندسي لهم حتى هذه اللحظة، قد تكون إشكالية هذا المسار الأهم، هي الجمود في ممارسة الهندسة خلال الفترة القادمة، بحكم التقليل في تنفيذ المشاريع للقطاعات على إختلافها، وقد يضاف إليها إشكالية الترقيات والعلاوات إذا ما سنت قرارات جديدة مستقبلاً بهذا الخصوص، مع التأكيد على استبعاد فكرة إقرار الكادر الهندسي خلال الفترة القادمة، وهو ما سيثبت مهندسو هذا المسار على مزاياهم الحالية إن صح القول. ولذلك ستجد أن بعض هذه الفئة من المهندسين تداعبها فكرة الخروج للقطاع الخاص خصوصاً المتميزين والطموحين منهم.
مهندس القطاع الخاص: وأقصد به (المهندس الذي يعمل كموظف في القطاع الخاص) سواء في المكاتب الهندسية أو شركات المقاولات، مهندسو هذا المسار يتفاوتون في المرحلة القادمة بحسب عدة نقاط، ما مدى قوة الجهة التي يعملون بها في السوق؟ وعدد سنوات الخبرة، بالإضافة إلى عدد سنوات الإنضمام للجهة، فمن المعروف في إطار السوق الخاص، أن الأضرار التي تلحق بالشركات يتحمل معظمها صغار الموظفين أو الجدد منهم، في حال استخدمت الشركة أو الجهة سياسة تقليل المصاريف والموازنة. أو حتى التصفية والخروج من السوق لفترة معينة. والأسباب كثيرة وسنتطرق لها في المسار الثالث، ما يهمنا في هذا المسار، أن مهندس القطاع الخاص، وفي ظل عدم وجود فرص وظيفية للحكومة، بالإضافة إلى ما سيلحق من تخفيض للرواتب والمميزات التي ستدفعها الشركات مقابل خدماتهم، سيراوده حلم الإستقلال بعمله الخاص والدخول إلى السوق خصوصاً الجريئين والمدعومين منهم.
المهندس صاحب العمل: وهو المسار الثالث والأخير، ويقصد به المهندس صاحب المكتب أو المؤسسة أو حتى الشركة، وهنا أيضاً يختلف الوضع بحسب نشاط العمل (مقاولات/ترميم/إستشارات/مواد البناء/تطوير)، وإن كان القطاع الهندسي في المجمل، يعاني ركود لأسباب أشرنا إليها في أول حديثنا، إلا النشاط سيؤثر حتماً. يضاف أيضاً إلى ذلك عمر الجهة نفسها في السوق، هل هي حديثة أم قديمة، وأيضاً هيكلها التنظيمي (صغيرة/متوسطة/كبيرة) وسياستها للمصروفات ومشاريعها واستراتيجياتها وكيفية إدارتها للأزمات، ولا ننسى أيضاً ما يترتب على هذه الأعمال من أنظمة وقوانين (نظام العمل/الزكاة والدخل.. الخ) وفي المجمل العام ومن واقع رأي شخصي، معظم هذه (الجهات أو الأعمال) تفتقد لكثير مما ذكرت، ناهيك على أن السوق مليء بمنافسين كرجال الأعمال (غير المتخصصين بالهندسة) كما يحدث مثلاً في قطاع المقاولات أو أعمال مواد البناء، حيث غالباً ما ينحصر (المهندس) في إطار الاستشارات والخدمات الهندسية بشكل كبير، والذي يواجه متطلبات وشروط صعب تحقيقها خصوصاً للمهندسين المبتدئين في العمل مثل اشتراطات الهيئة السعودية للمهندسين، ولذلك ستجد أن أغلب الجهات التي ستبقى ستكون ذات ثقل في السوق (متوسطة وكبيرة)، وإن كانت ستتأثر في حال اتجهت الدولة للاستعانة بشكل مباشر بدور الخبرات الأجنبية لمشاريعها خلال الفترة القادمة.
هذه قراءة عامة لمسارات المهندس السعودي في الفترة القادمة، قد تساعدك مستقبلاً قبل أن تتخذ قرار مصيري بالنسبة لك ولمهنتك. وهي لا تعتبر (إشكالية)، فموضوع الركود وتأثر قطاع وارد جداً، خصوصاً بعد انتعاش غير مسبوق خلال الفترة الماضية للقطاع الهندسي. قد تكون (الإشكالية) الوحيدة أننا كمهندسين أضعنا الفترة الماضية في خلافات جانبية دون أن نلتفت بشكل جدي لضبط مساراتنا بالشكل المرضي أو بالشكل الذي يخفف على الأقل من التحولات كالتي نعيشها اليوم.