كلنا تابعنا خلال الأيام القليلة الماضية، الأوامر
والقرارات التنظيمية التي صدرت لموظفي الدولة، وكلنا أيضا يشعر ببطء عجلة المشاريع
المحلية وحتى الخاصة منذ فترة، لأسباب مختلفة وعديدة وواضحة، كسياسة التقشف للدولة
في المشاريع، أو بسبب توقف حركة البناء الخاص لإرتفاع اسعار الأراضي وتكاليف
البناء على حد سواء، خصوصا أننا في بداية عملية التصحيح الإقتصادي الذي تقوم به
الدولة خلال الخمسة عشر سنة القادمة.
هذه التدوينة، تناقش واقع ومستقبل (المهندس السعودي) في
المرحلة القادمة بشيء من الهدوء والواقعية، بعيداً عن تصنيفات الإيجابية والسلبية
والتفاؤل وكوب الماء!. كلنا يعلم أن نشاط المهندس السعودي ينحصر ضمن ثلاث مسارات
أساسية، إما (موظف لدى الدولة) أو (موظف لدى القطاع الخاص) أو (صاحب عمل في القطاع
الخاص)، ولكل مسار خصوصياته وتفاصيله وواقعه، الذي قد يختلف بشكل متعارض بين مسار
وآخر. ولكي نستوعب هذه المسارات سوف نتناول كل مسار على حدة ضمن المرحلة القادمة.
المهندس الحكومي: لم يتأثر كثير من المهندسين فيما يتعلق
بقرارات الإلغاء لبعض البنود أو البدلات بشكل عام، مع إستثناء البعض والذي قد حصل
عليها بشكل فردي آو إستثنائي، ما عدا ذلك فأغلب مهندسي الدولة لا يتمتعون ببدلات
إضافية، ولم يقر الكادر الهندسي لهم حتى هذه اللحظة، قد تكون إشكالية هذا المسار
الأهم، هي الجمود في ممارسة الهندسة خلال الفترة القادمة، بحكم التقليل في تنفيذ
المشاريع للقطاعات على إختلافها، وقد يضاف إليها إشكالية الترقيات والعلاوات إذا
ما سنت قرارات جديدة مستقبلاً بهذا الخصوص، مع التأكيد على استبعاد فكرة إقرار
الكادر الهندسي خلال الفترة القادمة، وهو ما سيثبت مهندسو هذا المسار على مزاياهم
الحالية إن صح القول. ولذلك ستجد أن بعض هذه الفئة من المهندسين تداعبها فكرة
الخروج للقطاع الخاص خصوصاً المتميزين والطموحين منهم.
مهندس القطاع الخاص: وأقصد به (المهندس الذي يعمل كموظف
في القطاع الخاص) سواء في المكاتب الهندسية أو شركات المقاولات، مهندسو هذا المسار
يتفاوتون في المرحلة القادمة بحسب عدة نقاط، ما مدى قوة الجهة التي يعملون بها في
السوق؟ وعدد سنوات الخبرة، بالإضافة إلى عدد سنوات الإنضمام للجهة، فمن المعروف في
إطار السوق الخاص، أن الأضرار التي تلحق بالشركات يتحمل معظمها صغار الموظفين أو
الجدد منهم، في حال استخدمت الشركة أو الجهة سياسة تقليل المصاريف والموازنة. أو
حتى التصفية والخروج من السوق لفترة معينة. والأسباب كثيرة وسنتطرق لها في المسار
الثالث، ما يهمنا في هذا المسار، أن مهندس القطاع الخاص، وفي ظل عدم وجود فرص
وظيفية للحكومة، بالإضافة إلى ما سيلحق من تخفيض للرواتب والمميزات التي ستدفعها
الشركات مقابل خدماتهم، سيراوده حلم الإستقلال بعمله الخاص والدخول إلى السوق
خصوصاً الجريئين والمدعومين منهم.
المهندس صاحب العمل: وهو المسار الثالث والأخير، ويقصد به
المهندس صاحب المكتب أو المؤسسة أو حتى الشركة، وهنا أيضاً يختلف الوضع بحسب نشاط
العمل (مقاولات/ترميم/إستشارات/مواد البناء/تطوير)، وإن كان القطاع الهندسي في المجمل،
يعاني ركود لأسباب أشرنا إليها في أول حديثنا، إلا النشاط سيؤثر حتماً. يضاف أيضاً
إلى ذلك عمر الجهة نفسها في السوق، هل هي حديثة أم قديمة، وأيضاً هيكلها التنظيمي
(صغيرة/متوسطة/كبيرة) وسياستها للمصروفات ومشاريعها واستراتيجياتها وكيفية إدارتها
للأزمات، ولا ننسى أيضاً ما يترتب على هذه الأعمال من أنظمة وقوانين (نظام
العمل/الزكاة والدخل.. الخ) وفي المجمل العام ومن واقع رأي شخصي، معظم هذه (الجهات
أو الأعمال) تفتقد لكثير مما ذكرت، ناهيك على أن السوق مليء بمنافسين كرجال الأعمال (غير المتخصصين بالهندسة) كما يحدث مثلاً في قطاع المقاولات أو أعمال مواد البناء، حيث
غالباً ما ينحصر (المهندس) في إطار الاستشارات والخدمات الهندسية بشكل كبير، والذي
يواجه متطلبات وشروط صعب تحقيقها خصوصاً للمهندسين المبتدئين في العمل مثل اشتراطات
الهيئة السعودية للمهندسين، ولذلك ستجد أن أغلب الجهات التي ستبقى ستكون ذات ثقل
في السوق (متوسطة وكبيرة)، وإن كانت ستتأثر في حال اتجهت الدولة للاستعانة بشكل
مباشر بدور الخبرات الأجنبية لمشاريعها خلال الفترة القادمة.
هذه قراءة عامة لمسارات المهندس السعودي في الفترة
القادمة، قد تساعدك مستقبلاً
قبل أن تتخذ قرار مصيري بالنسبة لك ولمهنتك. وهي لا تعتبر (إشكالية)، فموضوع
الركود وتأثر قطاع وارد جداً، خصوصاً بعد انتعاش غير مسبوق خلال الفترة الماضية
للقطاع الهندسي. قد تكون (الإشكالية) الوحيدة أننا كمهندسين أضعنا الفترة الماضية
في خلافات جانبية دون أن نلتفت بشكل جدي لضبط مساراتنا بالشكل المرضي أو بالشكل الذي
يخفف على الأقل من التحولات كالتي نعيشها اليوم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق