12 فبراير 2013

معرض "مسيرة نحو المستقبل".. خطوة الألف ميل!


بات يدهشني النشاط الثقافي والفني للجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بجدة في الفترة الأخيرة! فبعد حضور أكثر من عرض لنادي جدة للكوميديا في مقر الجمعية، حضرت بالأمس دعوة لمعرض "مسيرة نحو المستقبل" والخاص بطالبات التصميم الداخلي بجامعة الملك عبدالعزيز في مقر الجمعية أيضاً. والحقيقة أنني قد عزمت على الحضور للمعرض سواء دعيت أم لا! فمنذ فترة وأنا أحاول أن أتابع أعمال العمارة والتصميم للعنصر النسائي السعودي، بهدف تكوين صورة عن (المنافسات الجدد)!! والتوجهات التي يمكن أن نقرأها في تطور مسار العمارة والتصميم في السعودية سواء من حيث الممارسة أو من حيث الثقافة.
المعرض كان بسيطاً في تنظيمه، لم يتكلف المنظمون فيبدوا أنهم كانوا يراهنون على الأعمال أكثر من بهرجة المكان نفسه. عندما دخلت الصالة لاحظت وجود مسارات إرشادية على الأرض كنوع من إرشاد الزائر، قررت أن أمشي بعكس اتجاه المسار! فيكفي المسارات والإرشادات التي تفرض علي في المنزل!!
المعرض تناول مسألة (المباني الإدارية) كمشكلة تصميمية أساسية. اختيرت أربع مشاريع كحالات دراسية كان أحدها مبنى الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بجدة. لم تكن المعالجات والحلول ظاهرية تتعلق بالديكور الداخلي وحسب، فالفكرة كانت أعمق إلى حد ما، بدأ من إعادة الدراسات المعمارية للمبنى ومتطلباته وانتهاءً بتغيير التصميم الداخلي بشكل مختلف وشبه كلي. يبدوا أن هيئة التدريس بالقسم تدرك  قضية إعادة الاستخدام (Reuse) للمباني التي ستشكل أحد محاور العمل الهندسي بمختلف مستوياته في مدينة جدة خلال الأعوام القادمة، وربما أنها مجرد صدفة!! ماعلينا!!
ما قد يُأخذ على المشاريع المعروضة، أننا لازلنا نكرر نفس التجاهل للدراسات الأولية ضمن عمليات التصميم في كل أقسام العمارة في السعودية ..ذكور وأناث!!، فمن خلال إستماعي لشرح معظم الطالبات ومناقشتهم حيال أعمالهم، كان الحديث عن الدراسات الأولية شبه (مكرر)! حيث يبدأ الحديث الفعلي مع الفكرة التصميمية. ربما لأنني من (المتحيزين) للبرمجة المعمارية، أرى أن هذه نقطة لابد أن تأخذ بمحمل الجد وبتعمق خصوصاً في السنوات الأولى من الدراسة من هيئة التدريس قبل الطلاب والطالبات.
نعود للمعرض.. لو أردت أن أضع عنوان أخر للمعرض فسيكون :(بثقة نحو المستقبل)، فعلاً الثقة كانت حاضرة بشكل كبير سواء من حيث الأفكار المطروحة أو من خلال شرح الفكرة للحضور. قلة هم الذين يستطيعون أن يتحدثون عن مشاريعهم، والأقل منهم هم الذين يتحدثون بثقة. الأفكار كلها كانت ذات مستوى جيد مقارنة بمرحلة السنة الثالثة، إلا أن هناك بعض الأفكار التي شدتني أكثر من غيرها بحسب خلفيتي وتوجهاتي، ولايعني ذلك أنها جيدة بل يعني أنها رائعة من وجهة نظري. وللتوضيح نقول بأن تقييم الأعمال في هذه التدوينة، قائم على مبدأ التكامل في المشروع من الفكرة التصميمة إلى المنظور النهائي، ولا يعني ذلك أنه لاتوجد أخطاء أو ملاحظات، فليس هناك عمل أو مشروع يخلو من ذلك.
هناك أربع مشاريع كانت بالنسبة لي متكاملة في تناول المشكلة التصميمة وحلولها سواء وظيفياً أو فنياً، سأتناول كل مشروع على حدة وبشيء من النقد والتوجيهات من وجهة نظري، لعلها تكون مفيدة. علماً أن الترتيب لا يقصد به الأفضيلة!
 المشروع الأول: مبنى جمعية الثقافة والفنون بجدة – سماهر وياني.
الفكرة بسيطة جداً ولعل هذا سبب تميزها. فعمليات التعقيد الوظيفي لم تكن مسيطرة، يمكن القول بأن التصميم كان يلبي الإحتياجات والمتطلبات بلمسة فنية. أعتقد أنه المصممة أثناء التصميم كانت تستنكر في ذهنها باستمرار (المبنى قائم فعلاً .. فلماذا العناء .. ليكن جميلاً وحسب!)، وحدة التصميم التي استخدمتها كانت خطوط تجريدية لجدارية فنان. صحيح أنها تأخذ نفس ملامح أعمال الفنان (موندريان) إلا أن عدم إستقامة الخطوط أوجد شكل مغايراً. أكثر ما شدني هو أن المصممة تعاملت مع الوحدة التصميمة في جميع المستويات (الأرضيات، الجدران والأسقف). حتى تصميم (دواليب الكتب) أخذت نفس الخطوط. الأمر الأخر هو الهدوء في استخدام الألوان والدمج مابينها. اعتقد أنها تمتلك بداية موهبة! والموهبة لا تكفي، بل تحتاج إلى دافع!
لو سئلت؟ لقلت الإطلاع ثم الإطلاع ثم الإطلاع!!، وخصوصاً مجلة (identity) وأعمال مدرسة القليلية (minimalism) أمثال تادو أندو. والابتعاد جداً عن التراث والتقليدية والكلاسيك! مجرد رأي.

المشروع الثاني: مركز الملك عبدالله للأطفال المعاقين – تهاني الديني.
أميل إلى الأفكار التي تجمع ما بين السيكلولجيات والتصميم، فهي اقرب إلى الإنسانية والملائمة في نظري من إستحداث الأشياء، خصوصا عندما تكون الحالات خاصة وتحتاج إلى إستيعاب أكبر للمشكلات وحلولها قبل الإهتمام بالجوانب الجمالية. المصممة حاولت أن تعالج مشاكل التصميم القائمة في المبنى، على الأقل إعادة تفعيل ما تم إلغاءه. مخارج الطوارئ على سبيل المثال تم إعادة تفعليها مرة أخرى في المقترح الجديد مع التأكيد عليها. لم تكتفي بذلك بل توسعت لإحداث تغييرات في محاولة لتلافي ماتم تجاهله في التصميم الأساسي. الوحدة التصميمية كانت قائمة على فلسفة سيكلوجية تشير إلى أن المصممة تعلمت الكثير عن مستخدميها. كما قلت الأفكار التي تجمع ما بين السيكلولجيات والتصميم دائماً ما تكون إنسانية. التوظيف الفني كان مكملاً للمشهد، وهو في رأيي ما يجعل هذا المشروع مميزاً، تجريد الأفكار ومن ثم إعادة صياغة وفق لمسات فنية كما حدث في تعامل المصممة مع الحوائط في إضفاء البروز على المستويات. اعتقد انه يجبرنا أن نقول بأن المشروع رائع.
لو سُئلت!! لقلت متابعة المدرسة التفككية (deconstruction) أمثال المعمارية زهاحديد سيكون مفيد جداً!! رأي.

المشروع الثالث: مركز الملك عبدالله للأطفال المعاقين – لبنى عمران.
يبقى (موندريان) منبع لكثير من الفنانين والمعماريين. ويبقى أي عمل بألوان الحداثة الأصفر والأحمر والأزرق حديث حتى لو بعد حين. المميز في هذا المشروع أن المصممة حاولت إيجاد فراغات جديدة في المسقط الأفقي بتطبيق منهج وأسلوب الحداثة، قطع الديكور وألوان الأرضيات والأسقف هي من تحدد الفراغات .. هذا قانون في الحداثة! بهذا القانون استطاعت المصممة أن تعيد تقسيم البهو الكبير إلى أجزاء متناهية في الصغر بدون أن يكون البهو ضيقاً أو مغلقاً. لعلها تعويذة الحداثة في جعل الأماكن أوسع حتى وإن كانت صغيرة ... ربما!. لي موقف مختلف ومعارض في استخدام اللون الأسود في بعض الفراغات. خصوصا أنها صيحة تبناها بعض المصممين المنتمين لحركة (late modernism)  في بداية التسعينات من القرن العشرين. أظن وبعض الظن إثم وليس كله! أن أصحاب الخطوط المستقيمة عمليين ومباشرين أكثر من غيرهم. لعل هذا السبب وراء أن قطاعات المبنى كانت وظيفية جداً و واضحة جداً أيضاً. فالمتعمن يكاد يجزم بأن كل قطعة قد وضعت في مكانها الصحيح.
 لو سئلت! لقلت.. أعمال المعماري العراقي (رفعة الجاردجي) ستكون بمثابة باب جديد، فهو شخص إستطاع أن يوجد من أسلوب (موندريان) تصميماً رائعاً اصبح ميزة له على مستوى العالم. أيضاً أعمال (ريتشارد ماير) ستكون بمثابة دليل عملي نحو التعامل مع النسب والخطوط المستقمية. ايضاً رأي.

المشروع الرابع: مبنى إداري – أمل الفقيه:
ليس سهلاً التعامل مع المربع الحر، الخروج من دائرة الجمود والثبات إلى الدينامكية هو أيضاً موهبة تصميمة تحتاج إلى إدراك ووعي فني في نفس الوقت. أغلب المصممين يحاولون التعامل مع المربعات بحسب ما تفرضه الخطوط الوهمية وإمتدادها، هذا المشروع جاء مخالف للعرف! المصممة حاولت أن تكسر هذه القاعدة بطريقتين في رأيي، الأولى عن طريق الدراسة الأولية المتعمقة إلى حد ما، والتي حولتها إلى (Zoning) أصبح بمثابة قاعدة للإنطلاق. ثانياً توظيف خطوط مابعد الحداثة (على ما أظن). حيث لم تأخذ الفراغات شكل منتظم. وظفت المصممة المنحنيات للخروج من الثبات والإتزان إلى الديناميكية. لذلك عندما تتمعن في المسقط الأفقي تشعر لوهلة بأنه في حركة دائمة ومستمرة. لم تكتفي بذلك وحسب بل تجرأت حتى على القطاعات. والتي جاءت بخطوط متعرجة على الحوائط. ورق الجدران (إن لم أكن مخطئاُ) كان بمثابة محاولة لإحياء للـ(Vintage) في السبعينيات بطريقة معاصرة ورائعة .. لاأعلم لماذا كانت تدور في ذهني أنغام أغنية (الموعد الضائع) لراشد الماجد ويارا وأنا أشاهد المشروع. ربما لتشابه المبدأ في الديكور وجرأة الألوان والزمن! ما علينا!! الأمر الأخير الذي يجب أن يذكر في هذا المشروع هو قدرة المصممة على الرسم اليدوي. وهو في رأيي ميزة لم تكن حاضرة في أغلب الأعمال المعروضة.
لو سئلت! لقلت.. New Vintage!! Try to start from 70s. رأي.

لعلنا نختم بإشارة بسيطة وهي، أننا لو أردنا أن نحدث تغيير وتطور في مجال العمارة والتصميم، فأن السبيل الأسهل هو (المعارض المتخصصة)، أعتقد أننا سنوجد نوع من حالة الوعي الثقافي والنقدي على الأعمال والمشاركين، معرض (مسيرة نحو المستقبل) .. خطوة الألف ميل.
ملاحظة: لم أقاوم قطعة الشكولاته!!

9 فبراير 2013

2- الـخطة ب (Plan B) !!


أومن بالتخطيط المسبق، ليس في بعض جوانب حياتي وحسب، بل في كل شيء! فأنا تلك (الشخصية) المزعجة والمدققة في كل صغيرة وكبيرة .. شاردة وورادة!. ولذلك تجدني دائما محاط بالأوراق والأقلام والملصقات الصفراء والغير صفراء. المشكلة الوحيدة هي أنني لم أنجز أي خطة في حياتي!! إطلاقاً. والمشكلة الأكبر هي أني لا أزال (أخطط)!!. عندما بدأت أكتشفت هذا الفشل التخطيطي في حياتي، أتجهت نحو رفع مستوى التخطيط لدي، إبتداء بالكتب وإنتهاءً بالدورات التدريبية، ومع ذلك ظلت المشكلة قائمة.
لقد تعلمت أثناء رحلتي في عالم التخطيط، أن مفهوم التخطيط يستند إلى عوامل أساسية تشكل ماهية التخطيط والإجراءات نفسها، حتى تلك العوامل الغير واضحة لها حظ من عملية التخطيط تحت مسميات مختلفة مثل (المعوقات) أو (عوامل غير متوقعة)!، وتعلمت أيضاً أن التخطيط لا يمكن أن يحدث في البيئات التى تعترف بالتخطيط أو لا تحترمه، مثل البيئات الغير مستقرة أو الغير متنبأ بها أو حتى البيئات الهمجية! فعلى سبيل المثال لو خططت لقضاء رحلة ما، فأنك ستضع مجموعة من الإجراءات لتحقيق هذه الرحلة على أرض الواقع، بدأ من الحجوزات وإنتهائاً بالعودة. وبعد أن تتم حجوزاتك وتذهب للمطار قبل الموعد بساعة تقريباً، تكتشف أن مقعدك قد ذهب لشخص أخر لمجرد أنه يعرف أحداً في المطار! قد تخطط للحصول على ترقية في عملك وتبذل الجهد نحو تحقيق هذا الهدف، ثم تكتشف أن المنصب قد جمّد فقط لأن المدير لايرى أهمية في أن يكون شاغراً. قد تخطط لبداية مشروع ما، وتجد ممول يقول لك أنه سيدرس الموضوع، ثم تأتيك دعوة لحضور حفل إفتتاح مشروعك بنفس الفكرة مع تغيير للأسم! كل هذا واقع معاش يحصل للكثير منا بشكل شبه يومي.
مع مرور الوقت والعثرات التي عشتها في حياتي بسبب التخطيط والبيئات، بدات أقتنع عن يقين أنك في كل مرة تذكر فيها كلمة (تخطيط) تجذب الأنظار أليك!! تماماً كفكرة كتاب (السر)! الأختلاف الوحيد هو أن الكون هنا هو (مجموعة من الأشخاص الذين يعيشون فقط للحول دون تحقيق التخطيط لأي شخص في دائرتهم!) لذلك تعلمت مهارة جديدة أطلقت عليها (الإحتيال على التخطيط)، وتقوم هذه المهارة على أن تحتال على التخطيط نفسه، فتوهم نفسك والأخرين بأنك تسعى إلى تحقيق هدفاً ما بينما في قرارة نفسك أنت تحاول الوصول إلى هدف أخر!! فإذا أردت أن تخطط للحصول على الترقية مثلاُ، فكل ما عليك هو أن تخطط ليتم نقلك إلى مقر أو مكتب أخر! أو إذا أردت أن تخطط للزواج، فعليك أن تجعل خطتك للهجرة من البلد! السر يكمن في أن تكتب عليها الـ(Plan B) ولاتخبر أحداً!!

3 فبراير 2013

كافتريا الدوام!


لطالما تخيلت في ذهني صورة عن تشابهة الكافتريا في الدوائر والمؤسسات الحكومية بميادين الرأي السياسي مثل ميدان (Trafalgar Square) أو ميدان (التحرير) في القاهرة!! فهي أشبه بمتنفسات للموظفين في التعبير عن غضبهم تجاه كل شيء! لا أعلم ماهو السر في الشعور بالأمان من المسؤلين في هذا الركن البعيد! للبوح بما يدور في الصدور من غضب أو إنتقاد لا يمكن قوله في الممرات والمكاتب! هل لأنه من المستحيلات أن يدخل أحد المسؤلين هذا المكان! أم بسبب أن الجميع هنا لديه سوابق!.
الغريب في الأمر أن (الكافتريا) ليست مكان يقتضي فقط الحديث عن العمل، بل يتمد إلى مواضيع إجتماعية وسياسية وثقافية وشعبية! وكأنه فعلاً ساحة أو ميدان للرأي لقول ما لايقال! ففيه يتم مناقشة الميزانية والسياسة الداخلية والخارجية وشجع التجار وهموم الأباء ومشاكل الأبناء وإختلاف الأزواج! وفيه يتم مناقشة الأحداث الإجتماعية والصور والمقاطع والضحكات! في هذا المكان يتم إعطاء النصائح من الغير مختصين للمختصين! وفيه أيضاً الجميع سواسية! لا تفرقهم الشهادات أو المناصب الطفيفة أو حتى المجاملات العابرة! هنا كل شيء جائز حد البجاحة أحياناً.
لا أعلم إن كان الحديث في الخفاء مهارة إجتماعية هذه الأيام! أم واقع مفروض من الأزل! ولا أعلم إن كنا فعلاً نفتقر إلى إسلوب النقد والحوار والمطالبة بالحقوق أم أننا لانقبل به! لا أقصد هنا تلك القضايا العامة أو اللوجستية على مستوى الدولة وحسب! بل حتى تلك الهموم الصغيرة والظلم الواقع على الناس في حياتهم التي لايستطيعون التعبير عنها إلا في المياديين! أميل إلى الإعتقاد بأنها (ثقافة) .. (ثفاقة) يفرضها الواقع ليس للتعبير ولكن أيضاً (للتنفس)!