نشرت عدد من الصحف المحلية في الأيام الماضية خبر
القرار الأخير للهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض فيما يخص بتنظيم سكن العمالة
العزاب ونقلهم من داخل المدينة إلى أطرافها الخارجية أو خارج الخط الدائري الثالث.
والحقيقة أن القرار فيه الكثير من الجرأة نحو هذا العزل خصوصاً أنه يشمل فئة
العزاب على اختلافها (عمال، مهندسين، إداريين) كما وضح في القرار. وبالرغم من أن
الهدف وراء هذا التوجه التخطيطي الاجتماعي هو توفير الحماية للعائلات داخل مدينة
الرياض من التقاطع مع العائلات سواء في الحياة اليومية الخارجية أو في منطقة
السكن. إلا أن هناك وجه أخر يمكن من خلاله تحليل مدى ملائمة هذا الخيار ضمن الإطار
العمراني-التطويري. لعلنا نوضح ذلك أكثر فنقول. أن السياسات التطويرية لمدينة
الرياض خلال السنوات العشر الماضية كانت كلها تصب في جعل المدينة مركزاً
إستراتيجياً ليس على المستوى المحلي وحسب بل على المستوى القطري أو الأقيليمي.
فمشاريع المركز المالي وجامعة نورة ومعهد تقنية النانو ومشاريع القطار والمترو.
كلها مشاريع ضخمة تحاول أن تعيد تشكيل المدينة عمرانياً واقتصاديا وحتى اجتماعيا
وثقافياً ضمن الوقت المعاصر. وهي ولاشك نقله نوعيه لن يتم استيعابها من الغالبية
إلا بعد تشغيل هذه المشاريع على أرض الواقع. ما يهمنا في هذا المقام هو أن هذا
التوجيه يتطلب مرونة في تقبل الزائر أو المقيم أو الغريب (أن صح القول) ضمن الإطار
الحضاري للمدينة. سواء كان هذا القبول على المستوى الثقافي أو الشخصي وضمن الضوابط
والأطر الشرعية والتشريعية للبلد. وبدون ذلك لن نستطيع تحقيق الدور الإستراتيجي
للعاصمة إذا ما أردنا ذلك. فما يعكسه القرار من إخراج معظم المقيمين العزاب من وسط
المدينة إلى حدودها الخارجية هي محاولة غير مناسبة لإيجاد قنوات تعايش بين المجتمع
والزائر أو المقيم ضمن إطار قانوني يكفل حق الطرفين. وهنا المحك. إن التنظيم
العمراني والسياسيات التطويرية لابد أن يصاحبه قانون صارم يطبق على الجميع بما
يكفل الحقوق للكل بغض النظر عن ماهية الأطراف. وأقصد بالقانون هنا ليس ما هو متعلق بالعمران وإنما
ما هو متعلق بالمجتمع.
لقد نجحت دول مجاورة لنا ومتشابهة معنا في الثقافة الاجتماعية
في احتواء الزائر ضمن النسيج الاجتماعي دون فواصل قوية أو واضحة. وإن كان مدى
التضحية في المقابل يختلف من مدينة إلى أخرى فيما يتعلق بالثقافة والقيم الاجتماعية
للمجتمع الأصلي. فمثلاُ يعاب على مدينة دبي مدى ذوبانها أمام الجنسيات المتعددة
التي تسكنها وما تختزله هذه الجنسيات من ثقافة وقيم مختلفة. ومع ذلك نجد أن مدن
مثل أبو ظبي والدوحة ومسقط. نجحت إلى حد كبير في جذب الزائر ضمن إطارها العام وبما
لا يتجاوز قيمها وأخلاقها.
قد يرى البعض أن قرار الأمانة جيد من الناحية
الأمنية أو حتى من الناحية المحلية. ولا نختلف في ذلك .. وقد نضيف أن يتم عمل سور
للرياض تغلق أبوابه في المساء كما كانت المدن قديماً زيادة في الحماية. أما إذا
أردنا أن نتوجه إلى التطوير القائم على المعرفة ومشاركتها مع العالم على اختلافه.
فالخطوة الأولى هي معرفة كيف نتعامل مع العالم وفق الضوابط التي نرغب في أن
يعاملنا العالم بها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق