من
أكثر القضايا إشكالاً في المجتمع السعودي .. قضية الفقر! فالفقر بتعريفه البسيط
كان ولازال مثار جدل في أوساط مجتمعنا وحتى في منهج سياسته، فهل في السعودية
فقراء؟ هذا السؤال قد يأخذنا في نقاش طويل ينتهي بنتائج ذات أبعاد مختلفة.. منها
ماهو محمود ومنها ماهو دون ذلك. وبدون أن نخوض في ماهية هذه النتائج الإفتراضية ..
لعلنا في هذه التدوينه نتناول الفقر من منظور شامل ومغاير في محاولة لقراءة الفقر،
كمدخل تقريبي للإستيعاب العام.
من
الملاحظ أن معظم أهل الإقتصاد والساسة، يتناولون مسألة الفقر من منظور (إقتصادي)
يعتمد على الأرقام والإحصائيات والمقارنات، والتى قد تغفل في رأيي هذه المقاييس إلى الجوانب
المشكلة لعملية الفقر، فمن المعروف أن تحديد وقياس مستوى الفقر يتم من خلال
مقارنات تعتمد على معطيات مختلفة تتعلق بالدخل ومستوى المعيشة والتضخم ومنهجيات
التنمية ..الخ. ولذلك فأننا نجد أن معظم التقارير تشير في نتائجها إلى وجود الفقر (كنسبة) من الكل أو العام، وهو مايحدد سياسات المعالجة والتطوير لهذه القضية على
أختلافها بين الدول والشعوب. لكن ماذا لو نظرنا للفقر من منظور أخر يتناول الطبيعة
البشرية أو سيكولوجية الإنسان نفسه، كعامل متغير في عملية قياس الفقر نفسه؟ فهل
ستكون النتائج متشابه؟ لعلنا نوضح ذلك ..
يسوق
إلينا المنهج القرآني تعريف مغاير للفقر، هذا التعريف يعتمد على الطبيعية البشرية
للإنسان، حيث يختزلها ضمن إطارين، يقول الله عز وجل (والذين في أموالهم حق معلوم |
للسائل والمحروم) (سورة المعارج-25)، جاء على لسان المفسرين بأن المقصود في (
والذين في أموالهم) هو الزكاة، ويقول القرطبي: السائل هو الفقير الذي يسأل ويتكفف
الناس، أما المحروم فهو الفقير الذي يتعفف، ولذلك حرم من الزكاة لعدم معرفتهم، ولقد وصفهم الله في موضع أخر، حيث يقول في سورة البقرة (يحسبهم
الجاهل أغنياء من التعفف لايسئلون الناس إلحاقا) (أية 273)، وهو مايضعنا أمام
قياسين مختلفين للفقراء، مقياس يتعرف عليهم من خلال مايسألون، ومقياس أصعب لمن
تعفف.
والتعفف
قد يأخذ أشكالاً مختلفه وتدفعه الدوافع المتعددة، فعزة النفس والعادات والمكانة
الإجتماعية أو القبلية قد تضرب باسواطها على الفقير فيتعفف راغباً أو مجبورا، والأمر غير محسوم،
لأنه يعود للنفس البشرية على أختلاف طبائع الناس، وهو ماقد يزيد من مساحة الفقراء
بشكل كبير، فكم من رب أسرة أو عائلة، يعاني من الفقر ويلجمه التعفف! والشواهد على
مستوى الأفراد قد تكون كثيرة، إلا أن قياسها على المستوى العام يعتبر من الصعوبة
البالغة. هنا تظهر لنا مجموعة من الدلالات على الفقر في أي مجتمع، لعل أهمها هو
العلاقة بين (الغنى والفقر) ليس على المستوى العالمي كما هو دارج اليوم، ولكن على
المستوى المحلي، وهو ماساقه لنا التشريع الإسلامي في الزكاة والصدقة والتكافل
وكفالة اليتيم ..الخ، والتى تهدف في عمومها إلى إيجاد التوازن في المجتمع على
إختلافه بين الغني والفقر كشعور وجداني وليس كأرقام جامدة!
لقد
ظهرت مجموعة من الدراسات الغربية مؤخراً، التى تعنى بهذا الجانب، ولعل كتاب
(التنمية حرية) للإقتصادي (أمارتيا صن) يستعرض بشكل مفصل هذه القضية ضمن إطار
التنمية، وهو كتاب رائع يثير التساؤلات حول ماهية التنمية والفقر، فعلى سبيل المثال
يستعرض الكاتب المفارقة بين الفقراء الإمريكيين من أصول إفريقية وبين ذوي الدخل المتوسط
من سكان الصين، ضمن مجموعة من المعايير كالصحة والعمر والسعادة ..الخ، ويستنتج
الباحث بأنه وبالرغم من إرتفاع دخل فقراء إمريكا الأفارقه بالمقارنة بالميسورين من
الصين، إلا أنهم أكثر تعاسة وتشاؤماً في حياتهم، إضف إلى ذلك إلى أن معدلات
الوفيات في سن مبكرة تعتبر عالية بالمقارنة مع الصينيين الذين يعتبرون من منظور الأرقام أكثر فقراً، ويذهب الباحث في تأويله
إلى أن الحالة الوجدانية للشعور بالفقر أو النقص عن بقية المجتمع تعد من أهم
العوامل المسببة لهذا الإختلاف. بالإضافة إلى مجموعة من العوامل الأخرى.
هنا
يكمن لنا سؤال نحن السعودييون، هل تحتاج منا مسألة الفقر إلى إعادة قراءة ضمن هذا
المنظور؟ وأن حدث وقمنا بذلك، فهل ستبقى نسب الفقر لدينا كما هي متداولة اليوم؟ أو هل ستبقى محددات الفقر كما نحددها اليوم! أترك الإجابة لك!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق