31 أكتوبر 2012

فقه العمران بين الضرورة والتعطيل!


أثير مؤخراً على ساحة الرأي العام، قضية توسعة الحرم النبوي الشريف، ومانتج عن ذلك من أختلافات في الراي حول ماهية التوسعة وأثارها المترتبة على المسجد النبوي وأهمية بعض المواضع في حياة المسلمين، مثل منبر الرسول والروضة الشريفه ..الخ. وبغض النظر عن أي الأراء يمثل الصحه في ظل عدم وضوح المعطيات بشكل كامل للجزم أو الحكم، إلا أن القضية بإطارها العام تثير جانب مهم في واقع التنظيم العمراني لدينا، وهو (فقه العمران)!
يعتبر فقه العمران من أبواب الفقه التى رسمت ملامح المدينة الإسلامية منذ نشأتها لحين مرحلة التغريب، ونقصد بمرحلة التغريب، بأنها المرحلة التى دخلت فيها الأنظمة والقوانين الوضعية لتنظيم ملامح المدن الإسلامية والعربية آبان فترة الإستعمار الغربي، والتى تطورت وأستمرت حتى اليوم. وهو مانتج عنه خلال السنوات الماضية، تشوه إلى حد كبير في المدينة الإسلامية، والعربية تحديداً. في ظل تعطيل هذا الباب وغيابه عن ساحة الملائمة لواقع ومتغيرات المدينة الإسلاميه.

فالمدينة بوصفها بيئة تفاعليه بين الأنظمة والمجتمع، تعكس مدى ملائمة هاذين الطرفين ضمن العملية العمرانية، سواء من حيث البناء نفسه أو من حيث التنظيم، والشواهد على ذلك كثير، ولذلك نجد انه وفي خلال السنوات الماضية، ظهرت مجموعة من المصطلحات التى تعكس مدى الهوة بين المجتمع المسلم ومدينته، مثل الهوية والأصالة والتغريب ..الخ، وهي في مجملها مصطلحات تعكس مدى الخلل في التفاعل بين المجتمع والبيئة العمرانية، تفاعلياً وتنظيمياً وثقافياً وحتى وجدانياً. وهو أمر دفع الكثير من المعماريين والمهتمين إلى تسليط الضوء على ماهية المدينة الإسلامية وأثر التشريع الإسلامي على تنظيمها.
على رأس هولاء الدكتور عبدالباقي إبراهيم – رحمه الله- وهو معماري مصري، كتب العديد من المؤلفات التى تعنى بهذا الجانب خلال مسيرته المهنية والعلمية، وكذلك هو الدكتور صالح الهذلول –أكاديمي ومعماري سعودي- الذي رصد أثر التشريع الإسلامي في بناء المدينة العربية الإسلامية، في محاولة لتحديد الإختلافات بين المدينة الإسلامية من منظور تشريعي، بينما ذهب الدكتور جميل أبكر – أكاديمي ومعماري سعودي- إلى دراسة مقارنة بين التشريع الإسلامي والأنظمة الوضعية في العمران في كتابه (عمارة الأرض)، والأمثلة في ذلك تطول.. فهي في مجملها سلطت الضوء على العلاقة بين التشريع الإسلامي (فقه العمران) وبين واقع المدينة العربية المعاصرة من وجهة نظر متخصصة. إلا أنها ومع ذلك ظلت حبيسة الإطار النظري ولم يتم نقلها على أرض الواقع من خلال أنظمة واقعية تعنى بالتنظيم الفعلي.
لعلنا اليوم .. نواجه العديد من المشكلات العمرانية التى تحتاج إلى فقه العمران، فنظام فرض جباية الزكاة على الأراضي البيضاء، وتشريع إحياء الأراضي الموات على سبيل المثال، قد تشكل حلولاً مفيدة نحو قضايا شائكة نعاني منها مثل قضية الإسكان وشح الأراضي والخصوصية والحق العام والخاص، وهي قضايا لاتعنى فقط بالمقدسات الدينية التى تكاد تكون محل خلاف مثل التوسعات للحرمين الشريفين أو مشاريع المشاعر المقدسة، بل تتعدى ذلك لتنظيم العملية العمرانية بشكل أوسع وشامل.
وبالرغم من أن بعض الجامعات العربية قد دأبت نحو غرس هذا التوجه في المعماريين، مثل جامعة أم القرى بقسمها العمارة الإسلامية، التى كانت من أوائل الجامعات في هذا المجال، حيث أسس منهج القسم الدكتور عبدالباقي إبراهيم – رحمه الله- كباكورة لإتجاهاته الفكريه نحو المدينة العربية المعاصرة و واقعها. إلا أن النتائج لم تأتي على قدر الطموحات! فمن وجهة نظر شخصية، كمعماري تخرج من هذه الجامعة وفق هذا المنهج، أكاد أجزم بأنه لو وجد لنا بيئة لتطوير ما تعلمناه من قضايا تتعلق بفقه العمران – وإن كانت عامه في مرحلة البكاليوريس- لكان كفيلاً بإيجاد حصيلة تراكميه في هذا الباب، وساهم في حل الكثير من القضايا العمرانية العالقة اليوم. إلا ان غياب هذه البيئة، جعل من هذا الباب (ثقافه) علميه لاتسمن ولاتغني من جوع! لايكاد المعماري بعد التخرج ان يذكر معظم ملامحها!
أنه من الإجحاف أن نحصر مفهوم العمران في الإسلام ضمن (طرز أو تشكيلات هندسية) متناسيين بأن العمارة حصيل بين الشكل والمضمون، ومن الأسف أيضا أن نرى منا من يقلل من شأن هذا الباب في إستيعاب التطورات العمرانية أو الحضاريه الحاليه، بدون أن يكون هناك فرصه للتجربة والتطبيق!
أعتقد أنه حان الوقت لنخصص بعض التوجهات نحو إحياء هذا الباب، كخطة إستراتيجية في مواجهة المعضلات مستقبلاً، أو على الأقل لرسم ملامحها العامة تفادياً للتنظير والإختلاف! 

ليست هناك تعليقات: