لدي
قناعة إلى حد كبير، بأن الدافع في الإبتعاث هو تغيير البنية الإجتماعية، فكرياً
وثقافياً وسلوكياً! قد تختلف معي وقد تتفق! إلا أن هذا ليس هو موضوعنا في هذا
المقال، فما أود الحديث عنه هو أمر آخر، يتناول مدى قدرة إستيعاب واقع البيئة
العمرانية للمكتسبات الحضارية للمبتعثين، فمن المعروف أن أي مشهد حضاري يتكون من
جانبين، الأول سلوكي، يتمثل في الممارسة الحضارية للحياة المدنية بمختلف
متطلباتها، مثل إحترام حقوق الآخرين، المحافظة على الممتلكات العامة و ممارسة
الوعي الحضاري بيئياً وإجتماعياً وإقتصادياً ..الخ، والجانب الآخر، هو الوعاء
الفيزيائي (البيئة العمرانية أو الحضارية) التي يدور فيها السلوك أو الممارسة
الحضارية، سواء بتوفر الخدمات والبنية التحتية، أو بتنوع المشاهد الحضارية وتوفرها
مثل المتاحف والمكتبات العامة، والحدائق والمنتزهات وأماكن الترفيه.. الخ!.
فالمبتعث
وخلال سنوات إبتعاثه للدراسة في دول تعطي أولوية كبرى (للمشهد الحضاري) بوصفه
ثقافه! يتعود من خلال الممارسة على نمط حياة معين، هذا النمط في أحسن أحواله يقوم
على ممارسة مجموعة من الأنشطة الإجتماعية والثقافية ضمن البيئة، بدون أي تكلف أو
صعوبة في الممارسة، حيث الجميع يمارس هذه الأنشطة بشكل عادي وميسر كواقع يومي، أو
مايعرف بـ(أحداث المدينة) سواء من حيث الأنشطة الثقافية مثل المعارض والندوات
واللقاءات، أو الأنشطة الترفيهية مثل الرحلات. وهو مايختلف عن الواقع لأحداث
المدينة السعودية، والتى تنحصر في مجموعة من الأنشطة البسيطة والتى لاتخرج عن إطار
الإجتماعيات العامة من دعوات للأفراح والمناسبات والولائم، أو الأنشطة الشبابية من
(كشتات) وخلافه!
يدعونا
هذا الإختلاف إلى إعادة التفكير في البيئة العمرانية (كوعاء) يحتوي الحراك الفكري في
المشهد الحضاري لهولاء المغتربين بعد عودتهم سالمين إلى أرض الوطن، وهو أمر في
رأيي سيسبب صدمة عكسية للكثير منهم، خصوصاً أن الغالبية منهم قضوا فترة التكوين
الثقافي (مرحلة الشباب) في بيئة مختلفة تماماً. ولايقف الأمر عند هذا الحد، فعملية
التغيير ستكون واردة بشكل صراع حول الأساسيات الحضارية ضمن السنوات القادمة، في ظل
السبات الحضاري الخامل في أرجاء المدينة السعودية على مختلف المستويات.
ولكي
نوضح هذا الأختلاف، لعلنا نتناول دور السينما بوصفها (عنصر ثقافي) في أبجديات
الحضارة الغربية، يتم من خلالها مداولة ثقافة الفن السينمائي، ومتنفس ترفيهي في
نفس الوقت، هذا العنصر مغيب تماماً عن المشهد الحضاري الحالي السعودي! أضف إلى ذلك
مايدور حوله من إشكاليات ترى فيه خروجاً عن المسار الصحيح لواقع البيئة الحضارية
للمدينة السعودية، وبغض النظر عن صحة ذلك من عدمه، فليس ذلك محوراً حديثنا هنا،
تظل المشكلة قائمة في وجود هذا العنصر ضمن البيئة أم لا، كقضية بين التكامل أو
التخلف الحضاري! أو التغريب والمحافظة بحسب الأراء والخلفيات المختلفة! والأمثلة
لاتقف هنا.. فهناك الكثير من السلوكيات الحضارية التى تثير الجدل حول وجودها ضمن
البيئة العمرانية، والتى لاتكون ذات إشكاليات أو إختلافات، مثل خدمات النقل العام،
وتوفر المسطحات الخضراء والحدائق، ومؤسسات المجتمع المدني، والجميعات والمراكز
المهنية والعلمية .. الخ، أضف إلى ذلك الممارسات الخاطئة في إحترام قواعد القيادة
وحقوق الماره وثقافة المشي و الوعي البيئي والتلوث والتخريب للمتلكات العامة
..الخ. وكلها أمور مشاهدة بشكل يومي في المشهد الحضاري (إن صح التعبير) في المدينة
السعودية!.
لعلنا
نتسائل هنا، هل يمكن للمدينة السعودية ان تحتوي هذه المكتسبات الحضاريه دون المساس
بتكوينها المحلي البسيط؟ أو بمعنى أخر.. هل تمتلك المدينة السعودية المرونة
الكافية لإحتواء هذا الثراء في المشهد الحضاري للمبتعث؟ أعتقد أن الإجابة على هذا
التساؤل تكمن في قدرتنا على الوعي أولاً بما يتناسب مع ثقافتنا المحلية ومن ثم
إعادة صياغة المشهد الحضاري تدريجياً، بحيث لايكون هناك تحول قسري يضر بفئة عن
أخرى، وهذا لايكون إلا بإستكمال عناصر المشهد الحضاري في المنطقة الرمادية،
كالمكتبات العامة، الحدائق والمنتزهات، المتاحف، الخدمات والبنية التحتية ..الخ،
كخطوة أولى للتقريب بين المشهدين الحضارين، مع التوعيه بالنظام الرادع حيال
الممارسات الحضارية، على أن يتم التدرج بعد ذلك تلقائياً لرسم المشهد الحضاري
للمدينة السعودية بناء على الهوية المحليه والمكانة العالمية. وإلا لن يخرج الأمر
عن رؤيتين! إما سيصبح هناك تفاوت فكري وسلوكي حيال أبجديات الحضارة، وهو ماحدث
لمدن عربية سابقة مثل القاهرة على سبيل المثال، أنعكس بشكل واضح على مشهدها العمراني
والإجتماعي والحضاري! أو إنسلاخ من الهوية المحليه بشكل متسارع مثل ماحدث في مدينة
دبي!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق