8 أكتوبر 2012

البيئة الإفتراضية وهامشية المدينة السعودية!


لايختلف اليوم إثنان على أن (البيئة الإفتراضية) تشكل عاملاً مهماً في تشكيل المكون السياسي، الإجتماعي، الفكري والثقافي للمجتمعات، فمواقع التواصل الإجتماعي مثل (توتير) و(فيس بوك) و(يوتيوب) إستطاعت أن توجد حيزاً فراغياً ولو كان إفتراضياً، يسعى من خلاله المجتمع لممارسة نشاطات فكرية وإجتماعية وثقافية مختلفة، بهدف تحقيق شيء من الوجود الذاتي.
على سبيل المثال، تشير بعض الإحصائيات المتداولة مؤخراً عن أعداد المستخدمين لموقع التواصل الإجتماعي (توتير) في العالم العربي، مجموعة من الشواهد التى تستحق الوقوف عليها وقرائتها! فبحسب تقرير كلية دبي للإدارة الحكومية وصل عدد المستخدمين لموقع (توتير) في العالم العربي إلى (1.3) مليون مستخدم حتى شهر مارس لعام 2012م، وفي خبر لموقع العربية عن المدير التنفيذي لموقع التواصل الإجتماعي (توتير) ديك كاستولو، أكد فيه أن النمو الأسرع لمستخدمي (توتير) في العالم يحدث في السعودية، والذي حقق نمو بنسبة 3000%!

لعلنا نتاول هذه القراءات ضمن صور عمرانية-إجتماعية، حيال هذا النمو ضمن البيئة الإفتراضية في هذه المجتمعات، وخصوصاً المجتمع السعودي، والذي كان إلى وقت قريب، يتميز بخصوصية إجتماعية عالية تقوم على التواصل الإجتماعي الواقعي. نميل نحن العمرانيون إلى قراءة المدينة على أنها تفاعل فيزيائي بين المجتمع والمحيط، ضمن نشاطات مختلفة تجسد الحياة الإجتماعية بمختلف أنشطتها، هذا التفاعل أو النشاط يقام ضمن (فراغات) فيزيائية أو ما يعرف بالمباني، فالمسكن هو فراغ لنشاط السكن والراحة، والمكتب هو فراغ لنشاط العمل، والمسجد هو فراغ لنشاط العبادة ..الخ، وهي في مجملها تكون البيئة العمرانية وبالتالي المدن.
مايحدث اليوم في المجتمع السعودي هو إستبدال البيئة الواقعية بالبيئة الإفتراضية، من خلال ممارسة النشاطات المختلفة عبر الوسائل الحديثة والمواقع الإلكترونيه، هذا الإستبدال في رأيي يعود إلى سببين، الأول: هو غياب البيئة الواقعية (الحيز الفراغي) للنشاط عن مكونات البيئة العمرانية السعودية، فالمسارح، السينما، المراكز الثقافيه والإجتماعية ...الخ، تعتبر من الفراغات الغائبة عن المشهد الحضاري والثقافي في المدينة السعودية، وبالتالي إيجاد قنوات أو حيزات إفتراضية للتعويض عنها، هو أمر طبيعي لممارسة النشاط بعيداً عن الواقع الغير مهيئ! أما السبب الثاني: فهو درجة الحرية في ممارسة النشاط نفسه! على أختلاف الموضوعات والأطروحات التى تكاد تكون دخليه على المجتمع بمختلف خلفياته! والتى تشكل عقبة في إستيعاب النشاط ضمن الأراء المختلفة. وهو مايجعل من (الحيز الإفتراضي) ملاذاً لممارسة النشاط بدون أدنى تقييد للحرية، سواء في المبالغة أو الخروج عن المألوف!
أعتقد أننا مطالبون خلال الفترة القادمة، أن نعيد صياغة المدينة السعودية! ليس على مستوى الخدمات والبنية التحتية وحسب، بل أيضا على مستوى النشاط والهوية! خصوصاً أن العالم اليوم يتجه نحو الفراغ المعرفي! كتوجه جديد يربط الفراغ الواقعي بالإفتراضي! وما أقصده هنا هو إعادة ربط الصور الذهنية للمجتمع بالمشهد الحضاري للمدينة ضمن إطار ملموس، يستطيع من خلاله المجتمع التفاعل ضمن نشاطات مختلفة، بحيث يصبح الفراغ الإفتراضي مكمل لها، لا بديلا!
 قد يكون الأمر صعب التحقيق للجيل الحالي، لكنه حتماً سيكون ضروري بالنسبة للأجيال القادمة، فبدون ذلك سيتصبح البيئة الإفتراضية هي النموذج المثالي بكل مافيها من حريات وإمكانيات، في ظل هامشية المدينة.. المدينة السعودية!

ليست هناك تعليقات: