لعل
الواقع المشاهد لأزمة الإسكان في السعودية، يفرز مجموعة من الشبهات حول إمكانية
إيجاد حلول فعالة لحل أزمة الإسكان، والسبب في ذلك هو أن طبيعة أزمة الإسكان – في أي
مكان في العالم- هي في حد ذاتها ذات طبيعة ديناميكية! بمعنى أن المعطيات تخضع
لتغيرات وتحولات مع الزمن، كإستمرار النمو السكاني، تذبذب تكاليف وأسعار مواد
البناء والتدرج العكسي للعمر الإفتراضي للمباني الحاليه!
اليوم
تتداول أوساط المجتمع، مجموعة من الحلول التى يعول عليها بإنهاء أزمة الإسكان أو
التقليل منها على أسوأ تقدير، مثل مشاريع الإسكان الحكومي، أنظمة التنمية
الإسكانية الحكومية والخاصة (كدعم صندوق التنمية العقاري ونظام الرهن العقاري) وما
تم طرحه مؤخراً حول مشروع جباية الزكاة على الأراضي البيضاء، والحقيقة وبالرغم من
التفاؤل حيال فاعلية هذه الحلول لأزمة الإسكان، إلا ان هناك شبهات حول قدرتها على
إحتواء أزمة الإسكان بشكل مستدام وعلى المدى الطويل.
وذلك لأن طبيعة هذه الحلول تعتبر
آنيه أو حاليه، وتفتقد للبعد الإستراتيجي في تناول القضية. على الأقل هذا ما سجلته
لنا التجربة السعودية السابقة في حل أزمة الإسكان، فمن المعروف أن المملكة وأبان
الطفرة الأولى قد مرت بأزمة إسكان مشابه في كثير من المعطيات مع الأزمة الحاليه،
ومع أن التوجه كان آنذاك يحمل نفس الملامح للتوجه الحالي سواء من حيث تبنى الدولة
لبناء مشاريع إسكان في مناطق مختلفة بالمملكة، أو ماعرف بالإسكان العام والعاجل،
ودعم صندوق التنمية العقاريه، إلا أنه وبعد ثلاثة عقود عادت المشكلة لتظهر من
جديد! وهو مايعكس برأيي قصور هذه الحلول على المدى الطويل في أبجديات التنمية
الإسكانيه، وتركيزها على المدى القصير. ولا يعني ذلك أننا نهمش من أهمية ودور هذه
الحلول ضمن إطار حل أزمة الأسكان لدينا، بقدر مانشير إلى أنها تعتبر ناقصة في حال
تم تفعيلها ضمن الإطار الحالي، بدون إيجاد قاعدة مستدامة لحل الأزمة على المدى
الطويل.
نلخص
ذلك في أن حل أزمة الإسكان يكون ضمن إطارين إستراتيجين، الأول: يكمن في تفعيل قدرة
المجتمع على البناء والتملك للمسكن الخاص، هذا التفعيل يتطلب ضبط لمحددات مختلفة
تلعب دور كبير في القدرة، إبتداء من ثقافة السكن، تخطيط الأحياء السكنية، أنظمة
وإشتراطات البناء، ضبط اسعار وتكاليف مواد البناء، وإنتهاء بتوفير الأراضي بأسعار
ممكنة ومتداولة، وهنا تمثل التنمية العمرانية محوراً مهماً في إيجاد مناطق جذب
عكسيه على ضفاف المدن الرئيسية مثل الضواحي أو المدن الثانوية، وهو مايشار إليها
أحياناً بـ(اللامركزية) في التنمية! أما الإطار الثاني: فيكمن في توجيه مشاريع
الإسكان الحاليه نحو "إسكان الفقراء"! الأمر الذي يتطلب إعادة صياغة
لتعريف الفقر في المجتمع السعودي بناء على الواقع الفعلي الداخلي، وليس الإكتفاء
بالمقارانات مع الدول المجاورة ضمن بيانات للدخل والتضخم، بل تحديد ملامح واقعيه
لمستوى المعيشه للمجتمع السعودي بناء على السلوك والثقافة والدخل العام، من شأن
هذا التوجه أن يحقق أمرين تساهم في إستمرارية حل أزمة الإسكان على المستوى الطويل:
أولهما هو تفريغ الأحياء القديمة (العشوائيات على سبيل المثال) في المدن الحالية
من السكان ذوي الدخل المحدود إلى المشاريع الحديثة ضمن النطاق العمراني للمدينة
نفسها، وهو مايتيح فرصة إعادة تطوير هذه المناطق كمشاريع إسكان مستقبليه لإستيعاب
النمو السكاني، الآمر الأخر سيساهم في تحقيق نسبة من العدالة الإجتماعية حيال
القدرة على تأمين المسكن في ظل الفروقات في الدخل بين شرائح المجتمع المختلفة،
وبالتالي إيجاد عملية نسبة وتناسب في القدرة على تملك السكن للفرد مع السوق
العقاري ضمن معقولية (العرض والطلب) في ظل الإستمرار على تنفيذ الإطار الإستراتيجي
الأول الذي ذكرناه، والمتمثل في رفع قدرة الفرد على بناء وتملك مسكن. ماعدا ذلك،
فسنكتشف بأن مانعتقد بأنه حل لأزمة الإسكان، ماهو إلا إيجاد سوق عقاري أوسع، يتم
التداول فيه وفق ضوابط السوق وليس التنمية!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق