عندما
نناقش الأحياء العشوائية فنحن دائما نضعها ضمن صور ذهنية لأحياء على هامش المدينة،
حيث تملئها بؤر الفساد والجريمة، وبيئة موبؤة ومناسبه للعمالة الهاربة وممارساتها
اللاخلاقيه، إضافة إلى لإفتقارها الكثير من الخدمات الضرورية في البيئة العمرانية
على مختلف المستويات الصحية، الاجتماعية، الاقتصادية وحتى البيئية. والحقيقة أن
هذه الصور قريبة من الواقع إلى حد كبير، ومع ذلك يتبادر لنا مجموعة من التساؤلات
التى تظهر كلما أقتربنا أكثر من واقع هذه الأحياء ونشاطها اليومي، والتى يمكن أن
نصفها بـ(التناقض)! بين الواقع المعاش والواقع المفترض!.
لقد درست الأحياء العشوائية في مناطق مختلفة في مدينة
مكة المكرمة وجدة لسنوات عدة؟ ولم يشغل بالي سوا سؤال ارى أنه حجة علينا نحن
العمرانيون، لا حجة لنا! إذا كانت العشوائيات كتلك الصورة التى ننقلها، فلماذا تحظى
بقبول من قبل المجتمع! أو بمعنى آخر .. لماذا هناك نظرتين مختلفتين لهذه المناطق؟
الأولى من الخارج والثانيه من الداخل؟
فمن
الملاحظ أن هناك قبول معقول من المجتمع (حتى في أوساط المتعلمين) إلى سكن هذه
الأحياء العشوائية والتملك فيها ضمن قناعة بالرضا إلى حد ما، بل يصل أحيانا إلى الاستثمار
في تلك الأحياء من خلال شراء المنازل الشعبية ومن ثم هدمها وإعادة بنائها من
الخرسانة المسلحة بنفس الموقع وعلى نفس المساحة، هذا السلوك يجعلنا نتساءل عن صحة ما
ننادي به من بيئة عمرانية صحية ومناسبة للمجتمع السعودي، فهل تصوراتنا عن البيئة
العمرانية المناسبة؟ نابعة فعلاً من متطلبات وإحتياجات المجتمع نفسه، أم هي تكرار
لنظريات عمرانيه تعلمناها في الكتب وأقتنعنا بها فأردنا أن نطبقها على أرض الواقع!
أرى أن هناك أسباب أدت إلى وجود فارق في الرؤية بين المأمول والواقع، أو قل بين
النظرية والتطبيق! وهو مايحمل مجموعة من التفسيرات التى يمكن أن تبرر لنا هذا
السلوك ضمن إطاره العام، نذكرها على النحو التالي:
-
هناك درجات متعددة من الأحياء العشوائية ، فليست جميعها على
نفس القدر من العشوائية بل بها ما يصله الخدمات جميعها أو معظمها ، الأمر الذي
يجعلها قابلة للسكن من قبل المواطنين .
-
ارتفاع أسعار الأراضي في المخططات الجديدة خصوصا في المدن التي
تكتنف أحياء عشوائية بشكل كبير مثل مدينة مكة المكرمة ومدينة جدة، جعل من فكرة
التملك للأرض أكبر من الإمكانيات المتاحة، إذا ما اعتبرنا أن تملك الأراضي أو
المنزل يشكل بالنسبة للسعوديين أحد أهم الركائز المعيشية خصوصا بعد التقاعد.
-
النقص في الوحدات السكنية مع ازدياد الطلب عليها من قبل
المجتمع و خصوص جيل الشباب، بالإضافة إلى إرتفاع أسعار الإيجار في المناطق الحضرية
الحديثة.
-
سوء التخطيط و التنظيم للمدينة بشكل عام والمخططات الجديدة
بشكل خاص وافتقارها للمزايا ، يجعلها في مدار المقارنة مع الأحياء العشوائية من حيث
الخدمات و المزايا، فلم تظهر أحيانا الجديدة بشيء جديد ومختلف يحفز على الانتقال إليها
إذا ما افترضنا أن أحياء المدن بمختلف مستوياتها تحضى بنفس التميز أو السوء من الخدمات،
-
فكرة الاستدامة للمنزل أو ( الامتداد المنزلي) ، بحيث
إمكانية استمرار البناء في تلك الأحياء العشوائية و التوسع بالمنزل رأسيا ( بزيادة
عدد الأدوار ) للاستثمار أو لتوفير و حدات سكنية مستقلة لاحتواء التوسع في العائلة،
بعيدا عن أنظمة وقوانين البلدية التي لا تراعي في عموميتها ظروف البيئة العمرانية
للأحياء العشوائية .
-
بساطة تكاليف البناء و استخدام طرق بناء اقتصادية وشعبية
أحيانا في إنجاز الفراغات بأقل التكاليف الممكنة دون التكلف بتصاميم وفراغات ليست
في الحاجة .
لعله
ومن خلال القراءة السريعة لهذا القبول الاجتماعي ، يتضح لنا مدى حجم الهوة ما بين المختصين
و المجتمع في رؤية الأحياء العشوائية أو حتى البيئة العمرانية ككل ، الأمر الذي
يجعل أحيانا من الحلول المطروحة لتطوير الأحياء العشوائية حلول مبالغ فيها
بالنسبة للمجتمع، في رأيي أنه حان الوقت لإعادة التفكير في صياغة القرارات والحلول
بل وحتى تحديد المشكلات تجاه البيئة العمرانية، بحيث يأخذ بعين الاعتبار الرأي
الاجتماعي في صياغتها، أو لنقل أن حل
مشكلة الأحياء العشوائية يكمن في داخلها!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق