16 سبتمبر 2012

المدينة بعيون هرمه!!


لا تكاد تخلو عائلة في مجتمعنا اليوم من رجل طاعن في السن أو امرأة عجوز، إما جدّ أو جدّه، أو خال أو عمه. أو أي قرابة كانت، هؤلاء يمثلون محاور مهمة في حياة العائلات بشكل خاص والمجتمع بشكل عام. فالكثير من العائلات تلتقي لإجتماعاتها العائلية في أماكن تواجد هؤلاء الكبار، من باب الزيارة والتواصل، وهو أمر محمود ولاشك أوصى به الدين الإسلامي الحنيف. ومع ذلك فالصورة ليست (مثالية)! كما نظن، والسبب في ذلك هو أننا نرى الواقع بأعيننا وليس باعينهم (أي كبار السن)، فمع ما تشغلنا به الدنيا من جري وسعي لطلب الرزق، تتقلص فرص اللقاء بشكل اسبوعي، وقد يتعذر علينا أحيانا ذلك بسبب عارضاً ما، ولاتبرير لذلك، فهو ولاشك قصور منا أولا وأخيراً، ومع ذلك فهو يمثل لنا نشاط إجتماعي من ضمن قائمة نشاطاتنا اليومية والأسبوعية، بينما يمثل لهم نشاط إجتماعي وحيد، يظلون في إنتظاره طوال الأسبوع! حيث لايوجد مايمكن أن يشغل اوقات فراغهم أو يحتوي نشاطهم، سوى تلك الزيارة في هذا المنزل أو ذاك. هنا يكمن تساؤل (عمراني- إنساني) حول عدم قدرة مدننا حول عدم قدرة مدننا حول استيعاب فئة كبار السن! وأقصد هنا عدم وجود (الفراغ) المناسب لمزاولة الأنشطة التى تتناسب ورغباتهم في هذه السن، فالمتأمل للواقع، يرى أن هذا الدور يكاد يكون غائب تماماً في البيئة العمرانية، فحياة هؤلاء الكهولة محصورة ضمن فراغ داخلي بالمنزل أو الفناء الخارجي (الحوش) على افضل تقدير!.
 في الغرب يختلف الموضوع تماماً، ففئة كبار السن (Oldsters people) تحظى باهتمام كبير ضمن البيئة العمرانية، سواء من حيث ملائمة الفراغات الخارجية لهم وسلامتهم، أو من حيث وجود فراغات داخلية ذات نشاطات تتناسب وهوياتهم، ليس ذلك وحسب، بل أن المجتمع بمختلف فئاته يشارك في هذه النشاطات بشكل تطوعي ومنتظم!. هذه الصورة تختلف لدينا، فالإعتقاد السائد هو أن وجود مباني مخصصة لكبار السن، يعتبر نوع من العقوق للوالدين! وهي صور تكرست في أذهاننا من خلال المسلسلات والبرامج وحتى الخطابات الدينية ولازالت حتى اليوم، الأمر الذي أدى إلى أهمال هذه الفراغات خوفاً من العقوق! وبالتالي إلى الإهمال لهم بالمره! وهنا يجب علينا أن نعي، بأن الحياة الكريمة التى يتمناها الكبير في السن رجلاً كان أم امرأه، تكمن في الشعور بأهميته و وجوده كإنسان لديه حرية (الإختيار) في أن يقوم بما يريد أو يتمنى، وهو (حق) مشروع له بعد ما أفنى عمره في تربية وعمل! إلا أن ما يحصل لدينا هو نوع من (التحجير) أن صح لنا التعبير! فكل مانقوم به هو تجهز الغرف لهم في منازلنا، ثم نضع أمامهم شاشة التلفاز، ونذهب! معتقدين أننا خرجنا من دائرة العقوق وأرتاحت بذلك ضمائرنا! ولذلك قلت بأن الصورة ليست (مثالية)!   
لقد أطلعت على عدد من الأبحاث والدراسات العمرانية، والتى تعنى بفئة كبار السن، والحقيقة أنها تحمل الكثير من الأفكار والمعلومات التى ستغير من مفهومك، فالتقارب الواضح بين سيكولوجية كبار السن والأطفال مثلاً، يتشكل ضمن صفات مختلفة مثل:المزاجية والمشاركة وحب الاهتمام وبغض التجاهل!، وهو أمر نلحظه دائما، حينما لا نأتي على وفق مايريدون، فتجد أن الطفل يبدأ بالبكاء، أو أن كبير السن يبدأ في التذمر! وكلاهما يعد (رفضاً). ولذلك فأن احتواء هذه الفئة ضمن البيئة العمرانية، يتطلب وقوفاً على الحياة الفعلية التى يمارسونها، عن الهوايات والأفكار والأعمال التى كانت تمثل لهم مصدر سعادة في شبابهم، وعلى إحترام حرية (الإختيار) بالنسبة لهم. لقد واجه الإنجليز من أصول هندية، والذين هاجروا من الهند إلى بريطانيا، خلال منتصف القرن العشرين، هذه المشكلة، عندما رغبوا في إحضار ذويهم إلى بريطانيا حيث الحياة أفضل كما كانوا يعتقدون!، إلا أنهم أكتشفوا بأن الحالة الصحية لهولاء الأباء والأمهات بدأت في التدهور شيئاً فشيئاً، بالإضافة إلى ظهور بعض الأمراض النفسية والعقلية، مثل الإكتئاب والزهايمر، وهي أمراض لم تكن موجودة في سجل العائلات المرضي من قبل، الأمر الذي دفع الأبناء، إلى إيجاد مراكز خاصة بهذه الفئة، يتم من خلالها لقاء هذه الفئة خلال أيام الأسبوع، وبشكل موسع يشمل الأبناء والأحفاد والأقارب في نهاية الأسبوع، حيث يذهب إليها المسنون في الصباح الباكر ويعودون في المساء إلى منازل أبنائهم أو من يقطنون معه، في هذه المراكز يتم القيام بأعمال كثيرة، مثل الطبخ والخياطة، والرسم، والحرف التقليدية والألعاب والرياضة، أضف إلى ذلك المتابعة والرعاية الصحية وهو ماجعل من هذه المراكز ملاذ لكبار السنة من صخب المدينة وفرصة لتبادل الذكريات! أعتقد أنه من الواجب علينا اليوم، أن نعيد النظر في البيئة العمرانية من حيث ملائمتها لكبار السن، على الأقل كرد جميل لهم وعرفان لما قاموا به من أجلنا!

ليست هناك تعليقات: