يغفل
الكثير من العالم الإسلامي، حقيقة الإستيطان اليهودي في فلسطين المحتلة، فلقد
إستطاع اليهود أن يجعلوا من القضية الفلسطينية بالنسبة لنا، قضية (وجدانية) فقط!
لامجال معها للبحث والتقصي من زاويا مختلفة، وهو ما جعلنا مغيبين إلى حد كبير عما
يدور في الداخل!. لطالما أثارت مخيلتي أسئلة حول ماهية (المدينة اليهودية) إن صح
لنا التعبير، وأقصد هنا مستوطناتهم وأحيائهم التى أقاموها ضمن المدن العربية
والإسلامية، ماهي الإستراتيجيات والسياسات العمرانية التى ينتهجونها؟ كيف إستطاعوا
تحقيق نمو عمراني؟ وكيف أستطاعوا تحقيق تغيير ديموغرافي للمدن الفلسطينية؟ هل
يعترفون بالهوية العمرانية؟ ماهي المفردات التراثية التى يسعون إلى تحقيقها؟ .. هي
أسئلة مشروعة إلى حد ما، على الأقل إذا ما أردنا أن نتعامل مع الواقع، ولكنها في
نفس الوقت غامضة؟ فنادر منا من يعرف ماذا يحدث في الداخل؟ حتى على مستوى الإعلام
العربي والغربي، تكاد تكون هذه المدن ذات ستار يحجبها عن أعين الفضولين أمثالي!!
سنحاول من خلال تدوينات متسلسلة، تحت عنوان (الإستيطان اليهودي عمرانياً) أن
نكشف بعض السياسات العمرانية التى يستخدمها اليهود نحو تهويد المدينة الفلسطينية.
ولا أقصد هنا سياسات (القوة العسكرية)، بقدر ما أقصد السياسات العمرانية والتنموية
التى يمكن لأي بلد أن ينفذها، فما نعيشه اليوم من حقيقة مخذلة ومؤسفة، أن اليهود
إستطاعوا إيجاد (مدن يهودية)! على أرض فلسطين المحتلة! وهو ما يمكن وصفه تجاوزاً
(بالنجاح) على المستوى العمراني، في ظل العامل الزمني الذي لم يتجاوز الـ(65)
عاماً، بالإضافة إلى حالة الخطر شبه الدائمة للوضع الأمني.
يمكن
بشكل عام تحديد ثلاثة سياسات عمرانية، مثلت التوجه الرئيسي لليهود في سبيل تهويد
المدن الفلسطينية وبناء كيانات يهودية في مكانها، هذه السياسات العمرانية هي على
النحو التالي:
السياسة
الأولى: إيجاد تراث عمراني يهودي ذا إرتباط عالمي.
السياسة
الثانية: تطوير المستوطنات أو المستعمرات ضمن مراحل تنموية تدريجياً، لتصبح مراكز
عالمية.
السياسة
الثالثة: تهويد الحيز.. من خلال سن أنظمة وقوانين وسياسات عمرانية تخطيطية نحو
تهويد الجابن العمراني للمدن العربية القائمة.
وسنتناول
في هذه التدوينة السياسة الأولى بشئ من التفصيل، من خلال مايعرف بـ(المدينة
البيضاء)!
![]() |
| منظر أفقي للمدينة البيضاء في تل أبيب |
المدينة
البيضاء (The White City):
قد
تكون المرة الأولى لك أن تعرف، بأن مدينة (تل أبيب) تسمى عالمياً بـ(المدينة
البيضاء)!، وتعود التسمية إلى تميزها بإحتضان عمارة بيضاء!، وحتى لانطيل.. إليك
التفاصيل: تبدأ القصة في عام 1925م أبان الإنتداب البريطاني في فلسطين، حينما عمد
الإنجليز المخطط العمراني الإسكتلندي السير (باترك غيدس) نحو وضع مخطط عمراني
لتطوير مدينة (تل أبيب) أو مايعرف باللغة العربية بمدينة (تل الربيع)، وهي مدينة
تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط بالقرب من مدينة (يافا) التاريخية، حيث كان
يسكنها جموع قليلة من العرب آنذاك، كان إختيار الإنجليز.. خياراً (إستراتيجيا
خطيراً)، سواء من حيث إختيار المخطط العمراني (باترك غيدس)، والذي يعرف بمويله نحو
المدينة الحدائقية والمستعمرات الحضرية ذات الكفاية الإقتصادية المحلية، والتى
تشكل نموذجاً ممتازاً لإيجاد بيئة عمرانية مستقلة تنموياً، يمكن أن تنمو ضمن ظروف
إقتصادية وأمنية متذبذبة!، أما الأمر الآخر هو إختيار مدينة (تل أبيب) عن غيرها،
مثل (القدس) و (يافا) التى كانت تشكلان جدلاً تاريخياً لوجود الهوية العربية الإسلامية
فيها بشكل كبير، وبالرغم من أن هذا الخيار الإستراتيجي جاء قبل إعلان الدولة
اليهودية على الأراضي الفلسطينية في عام 1949م، إلا أنه يعكس دهاء الإنجليز الإستراتيجي على المدى الطويل، وهو ما أشارك فيه رؤية الدكتور عبدالله
النفيسي، حيال ما يحدث من تطوير في مدينة دبي في الإمارات العربية المتحدة!
![]() |
| بروشور دعائي في عام 1950 يروج لدور اليهود في حماية الحداثة |
بالعودة إلى تل أبيب .. في
عام 1930م بدأت عمليات التهجير للسكان العرب من المدينة تحت مظلة الإنتداب
البريطاني، وهو ما أوجد مساحات عمرانية من خلال هدم وإزالة المباني القائمة آنذاك،
وفق ما جاء في مخطط (باترك غيدس)، وشاءت الأقدار في عام 1933م أن يتسلم هتلر السلطة
في ألمانيا، وهو مانتج عنه إغلاق لمدرسة (الباوهاوس) أحد المدارس في العمارة
الحديثة، حيث وجد اليهود فرصة لهم في إستقطاب رموز و طلاب مدرسة (الباوهاوس) لمدينة
(تل أبيب) للبدء من جديد، في ظل مغريات النهضة العمرانية آنذاك لإعادة بناء
المدينة، وبالرغم من أن رموز مدرسة الباوهاوس، أمثال (والتر جروبيس) و (ميس فان
دروه) قد نزحوا إلى الولايات المتحدة الإمريكية هرباً من النازية، إلا أن الكثير
من الأساتذة والطلاب من الصف الثاني وبعض الرموز وجودوا في مدينة (تل أبيب) ملاذً
مناسباً لتحقيق أعمالهم على أرض الواقع بدون منافسة تذكر، يقول (ميخا غروس) القائم
بأعمال مركز الباوهاوس في تل أبيب (كانت الرؤية واضحة تجاه إيجاد مدينة حديثة، حيث
إطلق العنان للمعمارين ليصمموا ويخططوا أفكارهم ضمن رؤية من ثلاث كلمات (بساطة/
نظيفة/ بيضاء) .. أردنا أن نصنع المستقبل). عندما أعلنت دولة إسرائيل قيامها على
الأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1948م، كانت مدينة (تل أبيب) تمثل المركز
الإستراتيجي والعاصمة المؤقتة لليهود، حينها كان عدد السكان قد تجاوز (200,000)
نسمة، وذات كيانات عمرانية مستقلة، و وفق ما كان مخطط له سابقاً في مخطط النمو
لـ(باتريك غيدس)، ضمنت مدينة (تل أبيب) إليها، مدينة (يافا) التاريخية المجاورة لها، بحجة
المستعمرات الحضرية المجاورة والتى كانت جزء من مخطط النمو!
![]() |
| شارع في تل أبيب عام 1948م |
![]() |
| نماذج لعمارة الباوهاوس في تل أبيب |
في
عام 2003، سعى اليهود إلى ضم مدينة (تل أبيب) ضمن قائمة اليونيسكو للتراث العالمي،
كأحد المدن التى تشكل هوية عمارة الحداثة، وبالفعل .. تم إدراجها ضمن القائمة، وهو
مايعني أن السيادة التطويرية وحماية التراث للمدينة بات في سلطة منظمة اليونيسكو
كتراث عالمي! هذا الإدراج قد جعل من مدينة (تل أبيب) مدينة عالمية ذات خصوصية
يهودية، وهو ما جعلها مزاراً سياحيا خصوصا لهواة الفن والعمارة من الجيل الحديث،
وهو ما يحقق ضمنياً تهويد تاريخي لحضارة عالمية في أذهان الأجيال الجديدة، ليس هذا
وحسب، بل أنها بضمها ضمن القائمة جذبت تجاها العديد من المنظمات والمراكز التى
تعني بالتراث والجغرافيا، وهو ما جعلها تصنف على المدينة الثالثة على قائمة المدن
العالمية في عام 2010، ولقد صنفتها مجلة ناشونال جيوجغرافيك على أنها واحدة من
أفضل الشواطئ في العالم! ومع ذلك فهذه السياسة تعتبر من اقل السياسات العمرانية
والتنموية خطورة التى استخدمها اليهود في فلسطين، وهذا ما سنحاول طرح في التدوينات
اللاحقة.
![]() |
| نماذج لعمارة الباوهاوس في تل أبيب |
هذه
بعض المصادر، للإطلاع أكثر:






ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق