يزداد
إعجابي بهذا العثماني كلما أكتشفت عنه أمراً جديداً، فهو فعلاً كما يصفه المفكر
الإسلامي الدكتور عبدالله النفيسي بأنه (الرجل الخارق)!، فسيرة هذا الرجل تكاد
تكون (منهجاً) نحو التطوير المعاصر على الأسس التنموية، ففي كل مرحلة من
مراحل حياته، تجد نفس الفكر والأهداف، إلا أن الأساليب ذات مرونة عجيبة بحسب العمل
ومتطلباته و واقعه.
من
المحطات في حياة هذا الرجل، هي توليه منصب (رئيس بلدية أسطنبول) في عام 1994م وحتى عام 1998م، وهي مرحلة سجّل من خلالها
(اوردغان) بُعداً تنموياً وتطويراً للمدينة الإسلامية المعاصرة، عكس (أوردغان)
من خلالها رؤيته الطموحة والجادة لمفهوم التنمية بشكل عام، وإصراره على مبدأ (أنه لايزال هناك فرصة
للتغير، مهما كانت الأسباب)، وهو ما يمكن أن نحلله من منظور هندسي-تنموي ، علنا
بذلك نستخلص الإستراتيجيات الممكنة نحو تطوير المدينة العربية الإسلامية المعاصرة
اليوم.
عندما
تولى (أوردغان) رئاسة بلدية أسطنبول، كانت المدينة تعيش حالة من الفوضى العارمة،
على كافة المستويات العمرانية، الإجتماعية، الإقتصادية وحتى البيئية، فعلى مستوى
البنية التحتية، كانت أسنطبول تعاني من مشكلة الصرف الصحي لكامل المدينة، أضف إلى ذلك
ضعف مستوى النقل العام وعدم تغطيته لكامل المدينة، ولم يقتصرالأمر على ذلك، فمشكلة
المياه كانت (القضية الأهم) في رأي أوردغان، حيث كان سكان مدينة أسطنبول آنذاك، يعيشون تحت رحمة بعض المستثمرين في القطاع الخاص لتزويدهم بالمياه!، هذا الضعف في أساسيات تشغيل المدينة،
أدى إلى مشكلات ذات علاقة، مثل التلوث البيئي نتيجة النفايات وإداراتها السيئة،
إضافه إلى الثقل الإقتصادي التى تحملته المدينة نتيجة للفساد والإنتهازية الأمر الئي أثقلها بالديون.
![]() |
| أسطنبول في عام 1990م |
كانت
رؤية (أوردغان) للمدينة تقوم على (إعادة مكانتها كمدينة عالمية ومعلم ثقافي سياحي)!،
تطلبت هذه الرؤية خطة عملية تنفيذية، التزم بها (أوردغان) على أرض الواقع، بدأ
أولا بالبنية التحتية، فأكمل مشروع النقل العام (القطارات الكهربائية) بالإضافة
إلى مشروع (قطار الأنفاق) للمدينة ليزيد من الوصولية (Accessibility)، والذي ورثه من رئيس
البلدية السابق، فأكمل المشروع دون أن يوقفه أو يعدل فيه، ثم ركز على تأمين المياه
للمدينة بشكل مستدام، فعمد لمشروع إمداد المياه النظيفة للمدينة من مصدر خارج
المدينة بمسافة (180) كلم، وأسس مشروع معالجة مياه الصرف الصحي للمدينة.
![]() |
| القطار المعلق الحديث في أسطنبول |
تناول(أوردغان) أيضاً قضية (التلوث البيئي) فعمد على تنظيف الخليج الذهبي (والذي كان
مرمى النفايات سابقاً)، ليصبح أحد معالم المدينة السياحية، ونتيجة لذلك ساهم (أوردغان) في دفع عجلة الإقتصاد للمدينة، فبعد أن كانت المدينة مديونة بما يقارب
(2 مليار دولار)، أصبحت المدينة ذات أرباح وإستثمارات، أنعكست على حياة السكان
وخصوصاً العمال، حيث وصلت نسبة النمو الإقتصادي (7%). وبالرغم من أن فترة رئاسة (أوردغان) للمدينة، كانت قصيرة نسبياً (4 سنوات ونصف تقريباً)، إلا أنها تعد معجزة تنموية
بالمقارنة مع حجم الإنجاز والتحول المذهل في المدينة.
اليوم تعيش مدينة (أسطنبول) تحولاً عالمياً
سريعاً، لتصبح مدينة معرفية (Knowledge City)، تقوم على إقتصاد ثقافي
معرفي نحو تحقيق تنمية مستدامة، حيث أصبحت أسطنبول عاصمة الثقافة الأوروبية في عام
2009 ، وتم إدراجها ضمن قائمة (مدن المتحولة نحو إقتصاد المعرفة) عالمياً،.
وبإقتصاد قوي يمثل نسبة (63%) من واردات تركيا. وبعدد زوار للسياحة يصل إلى (4.5)
مليون زائر سنوياً، وبالرغم من أن (أوردغان) قد رحل عن رئاسة المدينة في عام
1998م، إلا أن أغلب هذه الإنجازات كانت ضمن توليه رئاسة الوزراء منذ عام 2003م حتى
تاريخه.
![]() |
| أسطنبول اليوم |




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق