20 سبتمبر 2012

كتاب : Architecture Today لـ: جميس ستيل.


إعتدنا عند قراءة تاريخ العمارة سواء ايام الدراسة الجامعية أو حتى بعدها، على تلك الكتب التى تبدأ من عصر الفراعنه ثم العصور التى تليها حتى القرن العشرين، وهي كتب ولاشك قد أثرت معرفتنا بتاريخ وتطور العمارة في حياة البشرية، إلا أننا ومع الوقت اصبحنا نرى في هذه الكتب نوع من (الجمود)، حيث الأفكار والتحليلات والقراءات والأعمال والقصص تكاد تكون متشابهه في المضمون وإن أختلفت في الصياغة!، خصوصا أن القرن الماضي (القرن العشرين) قد حمل تحولاً مهولاً في إتجاهات العمارة، يفوق الإتجاهات السابقة على إختلافها، سواء من حيث التنوع أو الفكر، وهو ما يتطلب قراءة جديدة تختص به تفصيلاً وتحليلاً وتوثيقاً. في هذه التدوينه .. سنستعرض كتاب من هذا النوع.
طرح المنظر المعماري البروفسور(جميس ستيل) في عام 1997م، كتاب بعنوان: عمارة اليوم (Architecture Today) أرخ فيه التحولات في العمارة بعد سقوط عمارة الحداثة في 1950م بعشر سنوات، وتحديداً منذ عام 1960م حتى وقتنا اليوم، وهي كما يرى (ستيل) حقبه حملت الكثير من الإتجاهات التى شكلت العمارة المعاصرة بناء على ما خلفته عمارة الحداثة (Modern Architecture)، ولذلك نجد أنه وضع عمارة الحداثة كقاعدة أساسية في بداية كتابه تحت عنوان تراث الحداثة أو (The Modernist Legacy)، خص بها رواد وأعمال عمارة الحداثة، أمثال فرانك لويد رايت و لوكربوزيه، والترجروبيس، ميس فان دروه، لويس كان..الخ. لينطلق بعدها في تصنيف أعمال المعمارين المعاصرين نحو إتجاهات مختلفة.

يرى المؤلف أن إتجاهات العمارة منذ 1960م، قد أخذت ثلاثة إتجاهات رئيسية: 1- الإتجاه الحديث المعاصر 2-الإتجاه البيئي 3- الإتجاه التقني، حيث تضم كل من هذه الإتجاهات إتجاهات فرعيه، وكل إتجاه فرعي ينقسم إلى مجموعة من الإتجاهات الدقيقه وهكذا..، تناول المؤلف بشكل رئيسي (لإتجاهات الدقيقه) في كتابه، حيث يرى أنها تشكل الوحدة الأساسية، وهذا ما جعل الكتاب يعد من أحد أهم المراجع الحديثة في رصد تاريخ العمارة المعاصر. صنف المؤلف إتجاهات العمارة على متسوى دقيق إلى (14) إتجاه، جاءت على شكل فصول للكتاب على النحو التالي: 1-العقلانية الأوروبية (European Rationalism)  2-التقنية (High-Tech)  3-القليلية (Minimalism)  4-إحياء الكلاسيكية (The Classical Revival) 5-مابعد الحداثة(Post-Modernism) 6-التفككية(Deconstructivism) 7-التقليدية المعاصرة (Contemporary Vernacular) 8-التعبيرية الجديدة(The New Expressionists)  9-الإيكولوجية(Ecological) 10-الحداثة الجديدة(The New Modern)  11-الشعبوية(Populist) 12-البنايات العملاقة(Mega structures) 13-عمارة لوس أنجلوس(The LA Avant-Garde) 14-التجريبية اليابانية (Experimentation in Japan) 15-المدن العالمية (World Cities). أستند فيها على قياس (العمل المعماري) وليس (أسلوب المعماري)، وهذا ماجعل من الكتاب أكثرحياديه وأكثر جدلاً!، فلم يشئ المؤلف أن يستعرض أعمال المعماريون المعاصرون، بل أراد أن يستعرض الصورة العامة للعمارة اليوم، ولذلك ستجد في الكتاب بعض المعماريين الذين يصنفون بحسب أعمالهم إلى أكثر من إتجاه وليس إتجاه فريداً أو وحيداً كما كنا نعتقد عنهم، أمثال: نورمان فوستر، رينزو بيانو، ريتشارد ماير وغيرهم، وهو ما أوجد جدلاً في الأوساط المعمارية الغربية، حول تصنيف (ستيل) للعمارين وإتجاهاتهم بحسب أعمالهم، وصل حتى إلى إستياء بعض المعمارين أنفسهم! وبالرغم من ذلك، فمنهجية المؤلف كانت أكثر دقة في وصف وتصنيف العمل، فمهما اراد المعماري من عمله أن يكون ضمن إتجاه، فأن الكلمة النهائية ستكون للنقاد والجمهور وليس المعماي نفسه!. أضافت هذه القراءه إعادة نظر في ماهية ممارسة تصميم (العمل المعماري)، وهي أن المعماري ليس بالضرورة أن يكون صاحب (إتجاه) وحيد يفرضه على أعماله فرضاً، فقد يتنقل من إتجاه إلى أخر بحسب المعطيات والأفكار والقناعات، وهو ما أدى إلى الخروج من إطار (المسار الفكري الواحد)!.
من اللفتات الجميلة في كتاب (ستيل) هو ماذكره في الفصل السابع عن إتجاه :العمارة التقليدية المعاصرة (Contemporary Vernacular)، والذي ركز فيه على مجموعة من المعمارين العرب المسلمين كرواد لهذا الإتجاه على مستوى العالم، أمثال المعماري حسن فتحي، عبدالواحد الوكيل، راسم بدران ومحمد مكية، حيث تناول أعمالهم في البلدان العربية مثل المملكة العربية السعودية ومصر والأردن، بشئ من الإنصاف والإحترافيه وهي في رأيي حيادية تليق بباحث وأستاذ مثله، أخرج فيها دور المعماري العربي المسلم وهويته من كتب (التاريخ) القديم إلى الواقع المعاش اليوم!. وهنا أستغرب البعض من زملائنا المعمارين نحو مايتبنوه من إنكار للهويه المعمارية التى تشكل ملامح مدننا، وحتى مع تنكرهم لها لم يستيطعوا أن يسجلوا أسمائهم بين صفحات التاريخ!.
يعتبر كتاب (ستيل) من أفضل الكتب التى أستمتعت بقرائتها، فأسلوبه يقوم على التحليل والقراءة العميقة، ويحيو الكثير من قصص ماوراء الكواليس، فهو لايكتفي بالعمل المعماري وحسب، بل وبالأحداث والظروف التى شكلته ضمن الفراغ. أتمنى لكم قراءة ممتعة.

ليست هناك تعليقات: