30 أغسطس 2012

غياب نموذج (القدوة) في الهندسة السعودية!


تشكل (القدوة) حافزاً مهماً وملهماً لنا نحن قوم الشباب ، فهي بمثابة خطوات (عملية) ممكنة نحو الوصول إلى النجاح وتحقيق الطموحات والأهداف على أختلافها بين البشر، والقدوة بوصفها عامل مهم في العملية التراكمية لأي نجاح كان، هي في حقيقتها البسيطة منهجية بشرية، أشار إليها الله عز وجل في كتابه حين قال (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) (سورة الأحزاب – الآية رقم (21))، وهو أمر ربّاني للناس بالتأسي بالرسول صل الله عليه وسلم يوم الأحزاب، في صبره وجهاده ويقينه في فرج ربه، كنموذج واقعي للإقتداء به للخروج من محنتهم. اليوم يفرض واقعناً ضرورة وجود نماذج للقدوة في مجالات شتى ومتنوعة، تساهم على تنشيط الهمم وتحفيز الأرواح الشابة نحو المضي قدماً في تحقيق الأهداف والطموحات، وتشير الإتجاهات الحديثة في علم النفس وتطوير الذات والشخصيات، إلى ضرورة وجود مثل هذه النماذج في حياة العامة من الناس، رجالاً وأناثاً وأطفالاً، لتلافي وتخطي الصعاب والمعضلات التى تواجههم في حياتهم وأحلامهم.

هندسياً..يفتقد المهندس السعودي لنموذج (القدوة) في مجالات الهندسة ضمن أطوار (تكوينه) الفكري والعملي! وأقصد هنا بالنموذج (السعودي): هو الشخصية الهندسية السعودية التى سجلت مسار لقصة نجاح وكفاح، من خلال طرح وتحقيق فكر محلي متميز وفريد يشار إليه بالبنان سواء على مستوى البحث العلمي أو العمل الهندسي في المحفل العالمي أو الإقليمي أو حتى المحلي، وهو تعريف يختلف عن (التميز)، كأن يكون الشخص متميزاً في عمله أو وظيفته، فهذا أمر ممكن ومشاهد بيننا اليوم، فالمتميز ليس بالضرورة أن يكون قدوة، ويكمن الإختلاف في أن التميز هو (نتيجة) وصفية، بينما القدوة هي (منهجية) عملية، وهناك فرق!.
 كأحد المهندسين الشباب اليوم، وقد سبقني إلى الهندسة الكثيرممن يفوقونني علماً وخبرة، اتسائل .. لماذا لم يبرز واحد منهم خلال السنوات الماضية كنموذج يقتدى به؟ مع كل ما كان فيه من فرص وإمكانيات؟  فنحن ومنذ أن دخلنا عالم الهندسة على إختلاف تخصصاتنا، لم نسمع بهذا النموذج أو نقرأ عنه ونشاهد إنجازاته على أرض الواقع، والحقيقة أن غياب هذا النموذج يثير التساؤل حول ما إذا كان فعلاً موجود أم لا؟ والأسباب التى منعت من ظهوره أو تكونه خلال السنوات الماضية، ليس ذلك وحسب، بل حتى أنه يثير القلق حيال طموحنا نحن الشباب اليوم في أن نصنع الفرق أو نكون القدوة في المستقبل؟
والحقيقة أن تأمل مثل هذه القضية، مضني فكرياً! ومتعب نفسياً، خصوصاً لمن يحمل بين طياته أحلاماً وطموحات لواقع مختلف ومستقبل أفضل، ولكي لايكون تناولنا للموضوع من زاوية نوستوليجية (عاطفية)، فلعلنا نناقش بعداً مختلفاً عن ماهية الهندسة وحقيقتهاً. أن غياب نموذج (القدوة) في المجال الهندسي السعودي، جعل من الهندسة في المجتمع السعودي (وظيفة) ذات نمط روتيني ممل ضمن حدود مادية!، فالمتابع اليوم لقضية الهندسة في السعودية، يرى أنها تنحصر ضمن (الوظيفة) و(المردود المالي)، وهو أمراً مهم ولاشك، ولكنه لايمثل حقيقة الهندسة ورؤيتها ومجال تطبيقها، هذا الإنحصار يبداً من مقاعد الدراسة، فمن منا لايتذكر تلك الحكايات الخيالية من الأساتذة حول العائد المالي الذي سنحققه من خلال وظائفنا! ولكن نسبة ضئيلة جداً منا تتذكر قضية أو محوراً مهماً خرجت لتدافع عنه أو لتجد له الحلول والأسباب! يختلف هذا الواقع عن الواقع الغربي مثلاً، والذي تجد فيه المهندس الخريج صاحب قضية وهدف! منذ أن يخرج من أبواب الجامعة، لايشكل فيها المردود المالي أو الوظيفة بحد ذاتها ثقلاً كبيراً، فالقضية أكبر، ولذلك كانت النجاحات ولاتزال في العالم الغربي أكثر تميزاً وحضوراً منا.
ولنا في قصة المعماري (لويس كان) نموذج لذلك، فعندما لم يجد هذا الشاب وظيفة تناسب رؤيته، اسس هو ومجموعة نحو ثلاثين من المهندسين المعمارين العاطلين، جمعية معمارية تعنى بدراسة وتحليل ظروف السكن في فيلادليفيا، وتطوير مخطط المدينة وتنظيف الأحياء الغير صحية، ولقد أصبح (لويس كان) أحد العلامات البارزة في تاريخ العمارة، معمارياً، وفلسفياً وتعليمياً، ألهم العديد من المعمارين الشباب ولايزال حتى يومنا هذا.
هنا تظهر لنا (حقيقة) غائبة عن إدراكنا، وهي أنه ليس الجميع راغباً في أن يحصل على الوظيفة ويتلقى المردود المالي، فهناك البعض من تناجيه سريرته خفيه، نحو تحقيق إنجاز ما، أو عملاً يؤنس كبريائه في شيخوخته، هذه حقيقة!!، ولكننا نحاول أن نخفيها عن رؤيتنا، والذي يدفعنا إلى ذلك.. هو الواقع المرير الذي نعيشه كمهندسين! ذلك الواقع الذي خلفته لنا ثقافة الطفرة وجيلها العتيد! ولايزالون!.. بين صور خيالية باهية عن الوظائف والمال وبين صورة بائسة فقيرة لكل من يسعى من أجل قضية أو يكافح من أجل حلم، فإما هذا أو ذاك! لذلك فأنا أستغرب اليوم، عندما أسمع البعض مما سبقونا، يتغنون بكلمات مثل: الكفاح والإجتهاد والمثابرة، عندما يعتلون بروجهم العاجية في الجامعات، والمؤسسات والشركات، لممارسة هواية الوصاية علينا ولتبرير هشاشة الأساس، فتراني.. (أسمع جعجعة ولا أرى طحيناً)!!، أن واقع الهندسة اليوم لدينا، يخبرنا بأن المحصلة التراكمية هي (صفر) على المستوى العام!، فما يحيط بنا ليس من صنع إيدينا!، فلازلنا في السلم الأول، وسنظل هناك، حتى أن نعي حقيقة أن الهندسة أكثر من مجرد وظيفة فقط! ولذلك لانجد اليوم نموذج (القدوة) بيننا اليوم!

ليست هناك تعليقات: