21 أغسطس 2012

فراغات الأنشطة الإجتماعية.. الإستراحات كنموذج

منذ سنوات شاع في اوساط المجتمع السعودي، ظاهرة إستئجار الإستراحات لمزاولة الأنشطة الإجتماعية مثل الأعياد والمناسبات العائلية الرسمية والغير رسمية، وهي ظاهرة جديدة تستحق من الوقوف عليها وقرائتها من منظور إجتماعي – عمراني. فمن المسلم به عمرانياً، أن المسكن ما هو إلا إنعكاس لنشاط وممارسات المجتمع نفسه، ولذلك نجد أن المساكن والمدن تختلف في البلدان والأقطار بحسب أختلاف المجتمعات وطبائعها، وهو أمر قد فصل فيه (أبن خلدون) في مقدمته تفصيلاً شاملاً ووافياً، ولم يخرج المسكن السعودي عن هذا الإطار، فهو (أي المسكن) ذا خصوصية وخصائص فراغية تكاد تميزه عن بقية مساكن العالم قاطبة، خصوصا في جانب الضيافة، والذي مثل ركن أساسي من أركان المسكن السعودي،

ومع ذلك فأن شيوع ظاهرة الإستراحات لمزاولة أنشطة إجتماعية، تحمل بعض التغيرات والتحولات في المسكن السعودي والمدينة السعودية بشكل عام، والتى يمكن قرائتها للتعرف أكثر على ملامح المسكن السعودي المعاصر، هذه القراءة يمكن أن تكون ضمن إطارين، الأول إطار (داخلي) في تشكيل وتصميم الفراغات للمسكن نفسه، حيث تشير هذه الإستراحات على تغير في مساحات المسكن السعودي لإحتواء الأنشطة الإجتماعية، سواء من حيث صغر المساحة، أو من حيث زيادة عدد الأفراد للعائلات. وهو ما يدفعنا كمعماريين للتفكير في صياغة فراغات المسكن السعودي وتوظيفها بحسب هذه التغير الإجتماعي، فلم تعد مجالس الضيوف وخطوط التماس (الفصل بين النساء والرجال) مهمة، في حال إقتصار هذه الفراغات على تأدية أدوار بسيطة أو إستقبالات عابرة، وهو ما يتيح مرونة في التصميم للمنزل وتوظيف أكثر الفراغات لنشاطات الأسرة التى تقطن فيه. أما الإطار الثاني (الخارجي)، والذي يختص بعلاقة النشاط الإجتماعي في الفراغات الخارجية، فيمكن القول بأن المجتمع السعودي نقل الخصوصية الداخلية (المسكن) إلى الخصوصية الخارجية (الإستراحة)، وهو نقل يحمل الكثير من المعاني، فالإستراحة كفراغ، تشكل مساحة فراغية خاصة، تمارس فيها العوائل الأنشطة الإجتماعية بإختلاف الخلفيات والعادات والتقاليد المشكلة لهذه العوائل. سواء من حيث فراغات الرجال والنساء، أو عمليات الفصل بين مسارات الحركة، ما يعرف بـ(خطوط التماس)، وهو ما يعكس إحتياج الأسر السعودية للمارسة النشاط الإجتماعي خارجياً وفي ظل درجات من الخصوصية المطلوبة، هنا يظهر لنا قصور المدينة في تلبية الإجتياجات أو الفراغات الخارجية (الترفيهية أو الإجتماعية) للمجتمع السعودي، بوصفها وعاء فيزيائي يشمل مختلف الأنشطة، وهو قصور يدفع المدينة للنمو والإتساع افقياً لتلبية هذه المتطلبات، لتوفير مساحات مرغوبة مثل هذه الإستراحات، ولذلك نحن نشاهد مثلاً أن الأحياء الجديدة في المدن والتى عادة ماتكون على أطرافها، تتغير فيها إستعمالات الأراضي وفق هذه المتطلبات، فتبدأ بمخميات، ثم تخطط وتباع لتبنى عليها إستراحات ومزارع، وحين يصلها العمران تتحول إلى أحياء سكنية، وهكذا.

إن من واجبنا كمعماريين ومخططين عمرانيين أن نفكر، في صياغة المسكن وفراغ المدينة السعودية من هذا المنطلق، سواء على مستوى الأفراد أو الإستثمار، فوجود المساحات ذات الخصوصية في داخل المدن يمكن أن يكون إستثمار ذا فوائد جمه، أولاً من خلال التقليل من التوسع، وثانياً في تنشيط الأراضي الداخلية لأحتواء الأنشطة الإجتماعية، وزيادة رفع مستوى التفاعل بين المجتمع والمدينة، فعلى سبيل المثال، وجود المراكز الإجتماعية أو صالات المناسبات ضمن الأحياء السكنية، قد يوفر على ساكني الحي مشقة الخروج إلى إطراف المدينة لمزاولة أنشطتهم الإجتماعية أو القيام بمناسباتهم، وبنفس الوقت تتيح إعادة تصميم المسكن في توفير فراغات أكبر للنشاط الأسري، ناهيك عن توسيعها لدائرة النشاط الإجتماعي نفسه، لتشمل الجيران والأصدقاء، وليس العائلات والأقارب فقط. وكل عام وأنتم بخير