
كنت أميل إلى الإعتقاد ولا أزال، بأن
المدينة السعودية لاتمتلك رؤية واضحة تجاه نموها على مختلف المستويات العمرانية،
الإقتصادية، الإجتماعية وحتى البيئية! فهي أشبه بمستعمرات بشرية تفتقر لمقومات
البقاء بشكل ملحوظ، سواء من حيث المصادر الطبيعية مثل:المياه العذبة، الزراعة
والغذاء ، أو من حيث مشكلات التلوث وضعف المقاومة للأخطار الطبيعية مثل السيول
والزلازل (لاسمح الله)، ولذلك فهي تُصنّف من المدن الإستهلاكية أو المدن الغير
مستدامة. والحقيقة أن تاريخ المدينة السعودية لم يكن على هذا الحال، ولكنها المدنية
الحديثة التى إجتاحت المدينة السعودية
آبان فترة الطفرة الأولى والنهضة العمرانية،
هي التى أدت إلى ظهور هذه المشكلات في واقعنا. والتى لانزال حتى هذه اللحظة نمارس
أخطائنا السابقة مع الطفرة الثانية التى تشهدها المملكة اليوم، حيث لاتنبئ بمستقل أفضل!، وهو مايلح علينا إلى
التحرك سريعاً نحو تدارك الأوضاع الحالية وتلافي إستمراريتها في المستقبل. وحتى لا
يكون الحديث تنظيراً، يمكن القول أن مشكلة المدينة السعودية بشكل عام تكمن في
وجودها، ونعني بالوجود أنها (قائمة) بالفعل على أرض الواقع، وهو ما يحد من مرونة التغيير
بشكل كبير جداً، فالمدينة بوصفها وعاء فيزيائي، تتطلب وقت لإحدات عمليات التفاعل
بين الأطراف المختلفة، وظهور النتائج على أرض الواقع، وهو ما يعرف في علم التخطيط
العمراني بـ (التخطيط الشامل) (Comprehensive Planning) أو
(الرؤية) للمدينة نفسها في عام كذا أو كذا!، وهو بالمناسبة يختلف عن المخطط العام
(Master
Plan) الذي يهتم بالجوانب العمرانية للمدينة نفسها في البعد الثنائي.
لعل السؤال الذي يتوجب علينا طرحه هنا
هو، ماهي الإستراتيجيات الممكنة لإنقاذ المدينة السعودية مستقبلاً؟ هناك
إستراتيجيتين رئيسيتين يمكن من خلالها تحقيق بعض الطموحات نحو الرفع من مستوى
المدن السعودية وإحداث التوازن التنموي، الإستراتيجية الأولى: هي إعادة
تفريغ المدن الرئيسية نحو المدن الثانوية مع الإستثمار الحكومي في المدن الثانوية
خصوصا في البنية التحتية وتوفير الفرص الوظيفية ومشاريع الإسكان والخدمات من
جامعات ومستشفيات متخصصة. من خلال تخطيط المدن الثانوية من منظور مستدام وبكثافات
متدنية إلى حد ما. وهو ما يعرف بـ(الهجرة الداخلية العكسية). أما الإستراتيجية
الثانية: فهي إعادة هيكلية المدن الرئيسية (Restructuring) من خلال عمليات الإزالة وإعادة البناء، مع إعتماد مشاريع الإستدامة في هذه المدن
الرئيسية، مثل مشاريع الطاقة الشمسية وإدارة المياه سواء من حيث الترشيد أو إعادة
التدوير للصرف الصحي، وكلا الإستراتجيتين تحتاج إلى رؤية شاملة وقراءة للمعطيات
وتحديد للأهداف المراد تحقيقها بالإضافة إلى الوقت. إضف إلى ذلك كلاهما يعتبر
مكلفاً جداً، وهذا أمر طبيعي مقارنة بحجم الخسائر الممكنة لاقدر الله، حال إستمرار
الوضع كما هو عليه. قد يسأل البعض، عن المدن الجديدة!، كأحد الحلول أو
الإستراتيجيات التنموية التى ظهرت في المملكة منذ سنوات مؤخراً، وهذه قصة لخطأ
إستراتيجي وقعنا فيه ولم تظهر نتائجه حتى الآن، وهو ما نحتاج إلى قرائته في تدوينه
قادمة بأذن الله للتوضيح أكثر.