حملت
قضية حي الرويس مؤشراً على تدني مستوى إدارة العمران لدينا، بل وكشفت عن بعض
المخاطر الممكنة والتى ستكون بمثابة مشكلات المدينة السعودية المعاصرة خلال
السنوات القادمة. لقد أختلف الناس حيال قضية حي الرويس في جدة، بين مؤيد لها كنوع
من التطوير، ورافض لها كونها تجاوزاً إستثمارياً تحت مظلة القانون وبعصاه!.
والحقيقة أن الموضوع له أبعاد مختلفة وأراء متعددة. قد يصعب معه الحيادية في
قراءته بشكل خاص، ومع ذلك فهناك قراءة عامة يمكن لنا أن نسترشد بها عن واقع
ومستقبل المدينة السعودية من حيث نموها العمراني.
ببساطة..
تنمو المدينة ضمن إتجاهين، الإتجاه الأفقي والرأسي. وكلا الإتجاهين يرتبط بسياسات
عمرانية تعتمد على رؤية المدينة نفسها، بالإضافة إلى القرارات السياسية
والإقتصادية والإجتماعية للمدينة.
في
المدينة السعودية، يختلف الوضع من حيث القرار أو السياسة العمرانية، وليس النمو!،
بمعنى أن نمو المدينة السعودية يعتمد على قرار السلطة المحلية ورغبة تجار
ومستثمرين العقارات (المستثمرين) في تحديد إتجاه نمو المدينة نفسها، وفي ظل غياب
الرؤية للمدينة ومشاركة المجتمع في صنع القرار، وهذا مايُحدث نوع من عدم التوازن
في المدينة نفسها عمرانياً وإجتماعياً، وليس من المفترض أن تكون قرارات السلطة
ورغبة المستثمرين على نفس الأهداف، فقد تختلف، لكن حين تجتمع تكون ذات
طبيعة نافذة وسريعة، حيث تتوفر المظلة القانونية والمال، على ضوء ذلك، يمكن القول
بأن ماحدث في (حي الرويس) هو توافق بين القرار المحلي للمدينة وبين رغبة التجار
ومستثمروا العقارات.
لكن
متى تجتمع هاتين الرغبتين؟ حيث تتوافق الأهداف للأطراف المختلفة؟ هناك أربع أشكال
رئيسية للعلاقة بين القرار التنظيمي (السلطة المحلية) ورغبة (المستثمرين ) فيما
يتعلق بتطوير المدن، وهي على النحو التالي:
العلاقة
الأولى: يكون فيها المستثمرون هم الموجهين للقرار التنظيمي!، أو مانطلق عليه
مجازاً بالفساد، حيث يتمكن المستثمرون من تحديد توجهات نمو المدينة بما يصب بمصالحهم،
سواء من حيث الأنظمة والقوانين، أو من حيث حركة نمو النطاق العمراني. تماماً مثل
ماحصل في قضية المخططات السكنية والأراضي التي تم إعتمادها في مجاري السيول بمدينة
جدة.
العلاقة
الثانية: وهي أن يكون المستثمرين هم أصحاب اليد العليا (إقتصادياً) في عمليات
التنمية للمدن، كونها الجهة التمويلية للمشاريع العامة والخاصة، وهو عادة ماتكون
فيها المدينة ذات موارد إقتصادية متدنية، ولاتمتلك دعم من الدولة نفسها، وهذا النوع
من العلاقة لاتجده في السعودية، حيث الدولة تعتبر هي راعية التمويل الأساسي، ولكنك
قد تجده في مدن العالم العربي، مثل القاهرة في مصر، أو بيروت في لبنان. تماماً كما
فعل الحريري (الأب) تجاه إعادة إعمار بيروت.
العلاقة
الثالثة: تتكون في ظل تدني مستوى البنية التحتية والخدمات للمدينة نفسها، في ظل
وجود مشكلات عمرانية على مستوى الدولة ككل، مثل إشكاليات الإسكان أو التلوث أو
الهجرة الداخلية، والتى لاتستطيع أو لاترغب الحكومات في مواجهته بمفردها، لذلك يكون
هنا مزواجة بين السلطة المحلية والمستثمرين حيال عمليات التنمية، وتعتبر هذا
العلاقة من أكثر العلاقات إنتشاراً في المملكة وحتى على مستوى العالم( ماعدا مدن
العالم الأول التى تستند على العلاقة الرابعة)، حيث تكون المصلحة متبادلة بين
الطرفين، وتختلف درجات هذه العلاقة بإختلاف قدرة السلطات المحلية على ضبط وتنظيم
العلاقة من خلال التنظيمات والتشريعيات، في حفظ حقوق المجتمعات ومصالحها وتبني
السياسات البيئية والمستدامة، ولذلك تجد دائماً أن المجتمعات تتهم السلطة المحلية
بالتواطؤ مع المستثمرين في حال عدم وجود مردودات نفعية تخدم مصالح المجتمع، أو
مثلاً تتهمها بالتقصير حيال التجاوزات في الجوانب البيئية والتنموية، تماماً مثل ما
حصل في قضية (حي الرويس) في جدة، وهو ما أتوقع أن يتكرر في عدة مدن سعودية خلال
السنوات القادمة خصوصاً الرئيسية منها.
أما
العلاقة الرابعة: والتى تمثل العلاقة المتوازنة نحو تطوير نمو المدن، تسند هذه
العلاقة على توظيف مال المستثمرين ضمن قنوات تنموية للمدينة ذات رؤية مسبقة، يشارك
فيها المجتمع مع تبني المحاور الأخرى مثل البيئة والإستدامة، وتكون تحت مظلة
وإشراف السلطة المحلية للمدينة، وعادة ماترتبط هذه العلاقة برؤية تنموية شاملة على
مستوى البلد، تسعى من خلالها لتحقيق تنمية شاملة، بناء على منح مزيد من الإستقلالية
للسلطات المحلية والتخلي عن النظام المركزي، في ظل سن قوانين عقاب للمتجاوزين أو
المتلاعبين، وهي العلاقة التى لطالما طالبنا في تطبيقها لدينا، ليس لمجرد
التطبيق!، بل لأنها المخرج الوحيد لنمو المدينة السعودية، فالمدينة السعودية كما
أشرنا في تدوينات سابقة، تعاني من شيخوخة مزمنة، وهي بذلك تفقد مرونتها على
الإستجابة عام بعد عام، في ظل إستمرارية السياسات التنموية الحالية، وهو مايجعلنا
نؤكد إلى حد ما، أن قضية حي الرويس ماهي إلا بداية بسيطة، لما سيكون لاحقاً، حينما يكون التطوير آننذاك مطلب ضروري لبقاء المدن.
