26 أغسطس 2012

الأخطاء الإستراتيجية الثلاثة للهيئة السعودية للمهندسين!


تلعب الهيئة السعودية للمهندسين، بوصفها هيئة تشريعية، دوراً هاماً في تنمية مهنة الهندسة على أرض الواقع كعامل مساند للتنمية بشكل عام، وهو مايدفعنا للقول بأن مهام الهيئة في حد ذاتها، هي مهام إستراتيجية تنظيمية لقطاع مهنة الهندسة. وهو بلا شك دور صعب في ظل نظام هزيل وهرم، يجعل من الهيئة نفسها سلاح ذو حدين في تطوير مهنة الهندسة أو وأدها! وكمنتمين للمهنة، من الواجب علينا مناقشة هذا الدور ومايترتب عليه من خطوات أتخذتها الهيئة حيال المهنة والمنتمين لها، بدافع الإرتقاء بالمهنة أولاً والهيئة والمهندسين ثانياً.
من خلال الصورة العامة لمسار الهيئة منذ أنطلاقتها من عشر سنوات كهيئة في عام (1423هـ) حتى اليوم، يمكن القول بأن الهيئة قد وقعت في ثلاثة أخطاء إستراتيجية تجاه مهنة الهندسة، وهي على النحو التالي:

1- لعب الهيئة السعودية للمهندسين، دورا إزدواجياً بين تنظيم مزاولة مهنة الهندسة (العمل الهندسي الحر) وبين تطوير والدفاع عن حقوق المهندس (الفرد)، هذه الإزدواجية وضعت الهيئة في حرج، في ظل سيادة الأنظمة الأخرى ذات العلاقة، مثل نظام الخدمة المدينة، نظام العمل والعمال ونظام وزراة التجارة، فلا هي التى سعت نحو إستقطاب الحقوق للمهندسين والعمل على تطويرهم ضمن الجهات والمؤسسات الحكومية والخاصة التى ينتمون إليها، ولا هي التى كفلت ضمان توفير بيئة مهنية تنافسية عادلة لمزاولة مهنة الهندسة الحرة في أسواق القطاعات التى ترتبط بمهنة الهندسة، مثل مجال التصميم، الإستشارات، الإشراف والمقاولات، سواء من حيث التوزيع العادل للفرص ومنع الإحتكار، أو من حيث التقليل من المنافسة الأقليمية والعالمية للمشاريع المحلية، في ظل نهضة عمرانية ذات مستوى عالي كانت ولازالت قائمة خلال العشر سنوات الماضية. هذه الإزدواجية جعلت المهندسين وخصوصاً الشباب منهم، بين نار تدني مستوى الدخل والجمود في الوظائف الحكومية وبعض وظائف القطاع الخاص، وبين تحقيق الطموحات والدخول في منافسة شديدة تفتقد لمعايير الإنصاف والمساواه حيال تأسيس ومزاولة العمل الهندسي الحر، ناهيك عن الشروط التعجزية إلى حد ما من الهيئة نفسها.
2- أما الخطأ الإستراتيجي الثاني للهيئة، فهو يكمن في إهمال العنصر الأساسي من وجودها، وهو (المهندس) نفسه، فالهيئة بتركيزها على فئة معينة (وأقصد المهندسين الذين يقومون بأعمال الهندسة في القطاع الخاص)، بشكل مادي مقابل خدمات دون المستوى من حيث التطوير والتدريب ومشاركة المعرفة، قد ساهمت بشكل غير مقصود، على التفرقة بين المهندسين، فالمهندس الحكومي والمهندس الأكاديمي، لايمثلون أي أدوار بالنسبة للهيئة ونظامها، لا من حيث الحقوق ولا من حيث الإلتزامات، وهو ما أدى إلى نتيجتين: الأولى: عزوف المهندسين السعوديون عن الوظائف الحكومية، بوصفها وظائف هندسية لاترقى للمستوى المهني ولا المادي المطلوب، وهو مانتج عنه ضعف في الجهاز الهندسي الحكومي للإشراف على المشاريع الحكومية وبالتالي تعثر المشاريع الحكومية وتدني مستوى جودتها،  وأما النتيجة الثانية، فهي فصل المسار البحثي العلمي عن تطوير العملية الهندسية نفسها، فالمهندس الأكاديمي بوصفه (باحث) يشكل حلقة مهمة في عملية التطوير الهندسي، سواء من حيث البحوث التطبيقية أو النظرية، والتى تساهم على تطور المهنة والصناعة نفسها!
3- ويكمن الخطأ الإستراتيجي الثالث بالنسبة للهيئة، في عدم توعية وتثقيف المجتمع المحلي بمهنة الهندسة وتخصصاتها المختلفة، فلم تبادر الهيئة بأي شكل من أشكال التواصل مع المجتمع، وتفهم إحتياجاتهم ومتطلباتهم على إختلاف مستوياتهم وقضاياهم وخلفياتهم، فلم تلعب الهيئة السعودية للمهندسين، دوراً في الإرتقاء بأنظمة البناء بشكل فعًال ومجدي، أو بالتوعية حيال ترشيد الطاقة وإستهلاك المياه، أو بالأضرار الناتجة عن المخالفات والتجاوزات في البناء والتشييد، أو قضايا البيئة ومخلفات البناء، وكلها حقول ترتبط بالمهندسين على إختلاف تخصصاتهم وميولهم وتثري المعرفة الهندسية.
ومع ذلك هل نرجوا إصلاحاً في الهيئة؟ إستراتيجيا ..(لا) من وجهة نظري على الأقل!، فما تراكم خلال العشر سنوات الماضية، يحتاج إلى عشره أو عشرين سنة قادمة، إذا بدأنا من هذه اللحظة!، وكلما تأخرنا ..كلما زادت تلك السنوات التى نحتاجها! هذه ما يمكن أن نمسيه بـ(المعادلة الصعبة) !