نصادف أشخاص في حياتنا غارقون في مهنتهم، فلا يتحدثون إلا
عن المهنة، ولا يناقشون إلا في حدودها، ونادراً ما تكون لهم أراء أو أفكار خارجة
المهنة، وعلى الرغم من ذلك، فأن أفكارهم المهنية عادة ما تكون قاصرة في أبعادها،
لا تعالج الجوانب المختلفة للقضايا، ولا تحقق التوازن المطلوب في حلولها المطروحة.
والسبب ببساطة يكمن في ما أسمية التركيز الأحادي على المهنة.
الحياة واسعة ومتنوعة، وليست محدودة بإطارها العملي أو
المهني وحسب، فهناك الجانب العائلي والصحي والمالي والترفيهي أيضاً، وكل هذا
الجوانب المختلفة والمجتمعة تشكل حياة الإنسان وخلفيته وافكاره، وترسم الصورة
العامة لرؤيته ورسالته. فالنجاح في أبسط أشكاله لا يكمن في جانب عن آخر، ولا يرتكز
في مسار مهملاً باقي المسارات الأخرى، النجاح بمعناه البسيط هو تحقيق التوازن في
الحياة، بظروفها ومشكلاتها وفرصها، والشعور بالقناعة بعد بذل المجهود المطلوب،
وهنا يكمن سر السعادة.
يشير معظم الأطباء النفسيين، إلى ضرورة ممارسة العديد من
الهوايات خارج الإطار المهني للشخص، كممارسة الرياضة أو التمارين الذهنية، والتي
تساعد على تخفيف الضغط والعبء المترتب من الإنغماس اللاشعوري في المسار المهني. بل
أن البعض يركز على أن إختيار الهواية المناسبة، قد يكون من أهم عوامل التوازن
والنجاح في الحياة، كون الهواية هي الرابط الذي يجمع الجوانب المختلفة. ولذلك نجد
للهواية مكان ضمن سيرتنا المهنية، في محاولة لأخبار الآخرين أكثر عن حقيقتنا كبشر
وليس كموظفين.
لعل السؤال الأهم لهذه المقالة هو: كيف يمكن أن تختار
هوايتك المناسبة؟
يعتقد الكثيرون أن الإجابة على هذا السؤال بسيطة،
والحقيقة أنها من نوع (السهل الممتنع) وتكتنفها بعض الصعوبات الغير متوقعة، ولذلك
يرى بعض المختصين أن (الهواية) لابد أن تجدها، فهي تأتي بعد عملية بحث مضنية قد
تطول. وفيما يلي أهم الصفات التي يجب أن تتوفر في هوايتك المناسبة:
- تستنفذ طاقتك بقدر ما يستنفذ العمل طاقتك، فالهواية عبارة عن مجال لتفريع شحناتك الزائدة.
- قد تكون يدوية، وقد تكون ذهنية أو لفظية، الأهم أن تناسب مهاراتك الأساسية.
- سرعة التعلم والإتقان، الهواية المناسبة مرنة بالنسبة لك، فأنت تحقق تقدم واسع بمجرد ممارستها، ولذلك قد لا تكون هوايتك المناسبة التي تواجه صعوبة في القيام بها.
- تحتل جزء من ذاكرة طفولتك، أو من اللاوعي الخاص بك.
- تحتل وقت مخصص من وقتك اليومي، مثل أي جانب آخر من جوانب حياتك، فعدم القيام بها قد يشعرك بالضيق أو الإرهاق.
- وأخيراً الدافع الأساسي لها هو المتعة الشخصية لك، وليس الإنجاز، فمن سمات الهواية المناسبة أنك لا تشعر بأهمية الوقت وأنت تمارسها أو أنك تسعى من خلالها تحقيق هدف معين أو محدد.
أن قضية الهوايات في مجتمعنا، قد تكون ذات شكل بدائي،
كوننا لم نتعلم ثقافة (الهواية) كعنصر أساسي للحياة المعاصرة، لعل ذلك يعود لسرعة
تحولنا نحو المدنية المعاصرة بمهنيتها الأحادية، دونما نأخذ الوقت الكافي للتطلع من
حولنا. فأنطلقنا وراء تحديد وتحقيق الأهداف المهنية وأغفلنا الجوانب الآخرى، التي
يمكن أن تعلمنا تلك المهارات التي تساعدنا في تحقيق المزيد من النجاحات والتوازن
في حياتنا بشكل عام.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق